فهرس الكتاب

الصفحة 8 من 221

العرب أمة بيان، وأئمة لسان، ولو قسم التراث الإنساني بين الأمم؛ لكان الفن القولي تراثهم، والموروث البلاغي نصيبهم، لهذا كان القرآن من جنس ما يحسنون، ومن سنخ ما يعرفون، أنزل بلسان عربي مبين، ومن ثم كان إعجازه البياني أرقى مراتب الإعجاز، ومناخه في تقويم اللسان من أولى دلائل التبليغ. وأعمق المعجزات أثرا ما وافق مميزات العصر، وأعلاها منزلة ما واكب متطلبات الفطرة، ولقد جبل العربي في صحرائه على حب الكلمة وتوخي عذوبة الألفاظ، تهزه الخطبة وتطربه القصيدة، حتى عمد إلى مختارات من الشعر العربي الرائق فعلقها على ظهر الكعبة، وهي أقدس بقعة، وأول بيت وضع للناس. وكانت أسواقهم الأدبية في عكاظ ومجنة وذي المجاز مسرح خطبهم، ومنابر فخرهم، يتلى فيها ما يمثل قريحتهم ويواكب ذائقتهم.

وتأسيسا على هذا المنطق الواضح يصح لنا تحديد التراث الإنساني للعرب بالبيان، فالبيان كل شيء في حياتهم، وكل شيء بعد مماتهم، به يتبارون وعليه يثيبون، وفيه يتمايزون. وهبط القرآن الكريم بين ظهرانيهم فكان ثروة بيانية لا تنفذ، ومعينا بلاغيا لا ينضب، ورسالة سماوية لا يقربها الباطل، وكلمهم بلغتهم فنفذ إلى قلوبهم محتفلا بالبيان، فهو بيان للناس، يهديهم ويرشدهم ويوجههم نحو الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت