فهرس الكتاب

الصفحة 15 من 221

والطريف في الأمر أن يستند ابن رشيق القيرواني (ت: 456 هـ) على الرماني في التعريف الذي اختاره ونسبه للرماني وهو به عيال على الجاحظ فقال:

«البيان: الكشف عن المعنى حتى تدركه النفس من غير عقلة، وإنما قيل ذلك، لأنه قد يأتي التعقيد في الكلام الذي يدل ولا يستحق اسم البيان» «1» .

فهذا التعريف الذي يسنده إلى الرماني وهو به عيال على الجاحظ كما أسلفنا، لا يعطي رأيا في الموضوع إطلاقا، نعم نجده يجعله فنا من فنون البلاغة كما جعله الرماني، من ذي قبل فهو عند الرماني القسم العاشر من البلاغة وهو عند ابن رشيق الباب الثالث والثلاثون من العمدة، ولم يعطنا أي جديد في الأمر، بل يصح لنا أن نقول أنه مرّ به مترددا لم يتكلف فيه إلا عناء النقل وإيراد بعض الأمثلة التطبيقية.

ويبدو مما سبق أن البيان لم ينتقل عن معناه العام الواسع منذ عهد الجاحظ حتى عصر ابن رشيق، بل كان دائرا في فلك المداليل العامة، التي تعنى بجمال القول، وبلاغة الكلام، وانسجام العبارة، وحسن الأداء، وأشتات البيان.

البيان في طريق الاصطلاح:

ليس هناك أدنى ريب في أن عبد القاهر الجرجاني (ت: 471 هـ) يعد مطور البحث البلاغي، وواضح أصوله في كتابيه الجليلين: دلائل الإعجاز وأسرار البلاغة، فقد سبر أغوار الفن البلاغي شرحا وإيضاحا وتطبيقا، اعتنى باللباب من هذا العلم، وأكد الجانب الحي النابض، وابتعد عن الفهم العشوائي، والخلط الغوغائي بين النظرية البلاغية وتطبيقاتها، لم يعتن بالحدود المقيدة منطقيا، ولم يعر للقوقعة اللفظية أهمية، كان وكده منصبا حول ما يقدمه من نتاج فياض أصيل ينهض بهذا الفن إلى أوج عظمته وذروة مشاركته في بناء الهرم الإنساني، فماذا يجنى العلم من الجفاف في

(1) ابن رشيق، العمدة: 1/ 254.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت