الملابس على الجلود، لأن ما يظهر منهم عن مضيض الجوع وأليم الخوف، من سوء الأحوال، وشحوب الألوان، وضئولة الأجسام، كاللباس الشامل لهم، والظاهر عليهم» «1» .
وقد أجرى الشريف الرضي رحمه الله هذا الاستعمال الاستعاري على ما استخرجه بذائقته الفنية من طريقة العرب في جريان ذلك على لسانهم في مثل هذه الاستعارات المتمثلة بحديثه، وأبان في ذلك شمول حالة الجوع والخوف لهم كاشتمال الملابس على الجلود. وجاء من بعده الزمخشري (ت: 538 هـ) فترجم قوله على شكل اعتراض يفترض فيجاب عنه، وقد أورد صيغته عنده هكذا:
«فإن قلت: الاذاقة واللباس استعارتان فما وجه صحتهما؟ والاذاقة المستعارة موقعة على اللباس المستعار، فما وجه صحة إيقاعها عليه؟
قلت: أما الاذاقة فقد جرت عندهم مجرى الحقيقة لشيوعها في البلايا والشدائد وما يمس الناس منها، فيقولون: ذاق فلان البؤس والضر، وأذاقه العذاب: شبه ما يدرك من أثر الضرر والألم بما يدرك من طعم المر والبشع. وأما اللباس فقد شبه به لاشتماله على الملابس: ما غشي الإنسان والتبس به من بعض الحوادث، وأما إيقاع الاذاقة على لباس الجوع والخوف فلأنه لما وقع عبارة عما يفشى منهما ويلابس، فكأنه قيل: فأذاقه ما غشيهم من الجوع والخوف» «2» .
بل هو تعبير دقيق عن شدة مماسة الجوع والخوف للإنسان حتى كأنه قد تلبس فيه لبوسا، ومسه مسا فعليا لاذعا، أكثر مما يمس اللباس الجلد.
وهو أخذ الشبه الاستعاري من المحسوس إلى المحسوس، ونماذجه في القرآن أقل توافرا من سابقه، ويرجح عندي أن يكون السبب في ذلك أن الأمر الحسي واضح على العموم، فلا ضرورة ملحة أن يمنحه القرآن
(1) الشريف الرضي، تلخيص البيان: 196 وما بعدها.
(2) الزمخشري، الكشاف: 2/ 638.