فهرس الكتاب

الصفحة 118 من 221

فالنقض الحقيقي: «إزالة التأليف والالتيام، ثم تشبه به ترك الوفاء بمقتضى العهود والعقود، شبه العهد والعقد بشيء ألف محكما ثم أزيل تأليفه بنقضه مع أن بقاء تأليفه أصون من نقضه، والعهود في نفسها لا تنقض وإنما تنقض أحكامها» «1» .

وما يقال في كلمتي «النقض» و «القطع» يقال في «يوصل» فليس المراد بها وصل الشيء المادي بشيء مثله، كوصل الحبل بالحبل، والقطعة بالقطعة، والبناء بالبناء، بل المراد هو المعنى الاستعاري من اللفظ، وهو البر خلاف القطع في معناه الاستعاري.

وكل هذه الألفاظ في الآية الكريمة، إنما استعيرت من المحسوس لإثبات أمر عقلي في أشكاله كافة.

3 -قوله تعالى: فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ ... «2» فقد استعار الذوق، وهو مما يحس في الطعم إلى الخوف وهو مما يدرك في النفس، وإلى الجوع وهو مما يعرف بالعقل، والجوع والخوف يدركان، ولا يلبسان، فعبر عن شدة الملابسة لهما باللباس.

ولعل الشريف الرضي (ت: 406 هـ) من أقدم من كشف حقيقة هذه الاستعارة وشرحها بالتفصيل في قوله: «وهذه استعارة لأن حقيقة الذوق إنما تكون في المطاعم والمشارب، لا في الكساء والملابس. وإنما خرج هذا الكلام مخرج الخبر عن العقاب النازل بهم، والبلاء الشامل لهم، وقد عرف في لسانهم أن يقولوا لمن عوقب على جريمة، أو أخذ بجريرة: ذق غب فعلك، وأجن ثمرة جهلك، وإن كانت عقوبته ليست مما يحس بالطعم، ويدرك بالذوق، فكأنه سبحانه لما شملهم بالجوع والخوف على وجه العقوبة حسن أن يقول تعالى: فأذاقهم ذلك، أي أوجدهم مرارته كما يجد الذائق مرارة الشيء المرير، ووخامة الطعم الكريه، وإنما قال سبحانه:

(لباس الجوع) ولم يقل طعم الجوع والخوف، لأن المراد بذلك- والله أعلم- وصف تلك الحال بالشمول لهم، والاشتمال عليهم، كاشتمال

(1) المصدر نفسه: 70.

(2) النحل: 112.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت