والالتفات والسجع والفواصل مما لا كثير عناء باستخلاصه والوصول إليه بيسر، ولكن دائرة الجهد متحكمة في استجلاء المجازات وطرق استعمالها والتشبيه ووجوه الشبه، والاستعارة وضروب أصنافها، والكناية ومجالات إيرادها.
إذن لا شوائب في لغة القرآن وألفاظه، ولا صعوبة في لمس جماله وتحسسه، فلا بحث مع ذلك للغرابة والتنافر والتعقيد، ولا كبير جهد بالوصول إلى أمثلة البديع. والإسناد والفصل والوصل، والتقديم والتأخير، والتعريف والتنكير، والحذف والتقدير وما شاكل ذلك مذاهب قتلها النحاة بحثا وتمحيصا، فلم يبق إلا البيان المتمثّل في المجاز والتشبيه والاستعارة والكناية، وهذا هو البلاغة بعينها، وتلك هي الأصول الكبرى، والينابيع الأولى لفن القول، فيها يتقوم الجهد البلاغي الموروث، وعليها تدور رحى البلاغة العربية.
إن العربي اليوم بحاجة إلى إضاءة الدرس البلاغي على وفق متطلبات التطور الحضاري، فالعصر يسير بسرعة ضمن حسابات دقيقة في الفروض والنتائج، وهذه الحسابات إن تيسرت في فرع من فروع الإنسانيات فلا غرابة أن تشمل فرعا آخر أكثر تماسا بحياة الأمة وجذور تحررها، وهذا ما نجده ضرورة تطبيقية بالنسبة للبلاغة التي تعنى بتعليم الإنسان صناعة الكلام، وإذا كان الكلام صناعة، فعلم البيان أساس هذه الصناعة، لأنه المعني بصور الفن القولي التي تعتمد التشبيه والاستعارة والكناية وضروب المجاز أركانا يستند إليها في هذا التعليم. ومهمة هذا التعليم استخراج الكلام الجيد، فلتكن عملية استخراج الكلام الجيد والعناية به مرنة ميسرة خالية من
كثرة التقسيمات والتعقيدات.
وفي هذا الضوء، ومن أجل حصر الأبعاد البيانية، فما كان فصيحا من الكلام فلا مانع أن يكون بليغا أيضا، دون الخوض في التفصيلات المملة، وقديما قال أبو هلال العسكري (ت: 395 هـ) «الفصاحة والبلاغة ترجعان إلى معنى واحد، وإن اختلف أصلاهما، لأن كل واحد منهما إنما