فهرس الكتاب

الصفحة 28 من 221

المتزايدة لدى الناشئين وهذا النفور المتنامي تجاه البلاغة العربية والدرس البياني عن طريق تذليل السبل، وتقليل الأقسام، وتحديد الموضوعات.

إن التفريعات والتعريفات المستمدة من مدرسة الإيهام والإبهام، معالم مضللة لا تلتقي والذوق الفني، ومظاهر متخلفة تدعو إلى النفرة والاشمئزاز، ولا ذنب للبلاغة في ذلك بل للمتصرفين بأصنافها، والداعين إلى تعقيدها، والقائمين على تقعيدها، حتى عادت كالطلاسم المبهمة، والألغاز المعماة، وليس ما ذهب إليه جمع من الباحثين ممن تأثروا بمفاهيم عصورهم .. ثقافة أجنبية، وسليقة أعجمية، ليس ما ذهبوا إليه نصوصا مقدسة غير قابلة للنقاش، ولا هي تعليمات دينية غير قابلة للرد، بل هي آراء بشرية تقبل النقض والرفض، وتتعرض للسهو والخطأ، كما تتقبل الرضا والقبول، وليس تقويمها خروجا على التراث، بل هو تهذيب وصقل للجهد الإنساني الموروث. والبيان هو الموروث البلاغي لدى العرب، والإرث البلاغي هو قمة متبقيات العرب قيمة وأهمية وعطاء، فالتوجه إليه بمزيد من العناية، دليل الإقامة على ماضي التراث، لإفادة الحاضر وتهيئة المستقبل.

لقد بهر العرب بجمال القرآن وروعته، ونظروا إلى التغيير الجذري الذي أضافه ليس في العادات والمفاهيم والتقاليد فحسب، بل في القول والكلام والنظم البياني، لقد نظروا إلى لغتهم وهي تتجه- فجأة- نحو الاستقامة والاستقرار والصعود، فحدبوا على عطاء هذه اللغة يختزنونه، وعمدوا إلى مرونتها يستغلونها، فكان هذا المخزون جمالا بلاغيا لا يبلى، وكان ذلك الاستغلال موروثا بيانيا لا يفنى، وما ذاك إلا استجلاؤهم لدلالات القرآن الأدبية، وفنونه القولية، فقد خلص اللغة من الوحشي والغريب، وهذب طبع ألفاظها من التنافر والتعقيد، فلم يعد العربي بعد بحاجة إلى إقصاء ذلك واستبعاده، هم الآن- أعني العرب- بحاجة إلى الكشف عن خبايا هذا الكتاب وكنوزه، وقد كان الكشف منصبا حول مجازات القرآن واستعاراته وتشبيهاته وكناياته، وهذا هو الملحظ البلاغي الخالص في استكناه وجوه الإعجاز البيانية في القرآن الكريم، ولم يكن هذا- وحده- بل أضيفت له جملة من الفنون البديعية في الجناس

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت