أحسب، ومرد ذلك يعود إلى أن ممارسة القرآن الكريم الفنية ذات مهمة إيضاحية، والإيضاح إنما يتم بتمثيل المجرد إلى الحاسة، أما تمثيل العقلي بالعقلي فهو انتقال عن الأصل الموضوع له التصوير الاستعاري، ومع هذا فإننا لا نفقد هذا النوع من الشبه الاستعاري في القرآن الكريم، ولعل أبرز مصاديقه هو تلك الآيات الكثيرة التي تتحدث عن الإيمان والكفر مقترنة بالموت والحياة، وكلاهما عقلي، ومن ذلك قوله تعالى: أَوَمَنْ كانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ ... (122) «1» إذا استعار للإيمان الحياة، وللكفر الموت، والإيمان أمر عقلي، والحياة أمر عقلي، والكفر جانب مثالي، والموت معنى مثالي، فهما استعارة عقلي لعقلي من هذا الوجه فحسب، على أن الآية قد أوضحت هذين الأمرين العقليين، بما استعارت لمعرفتهما من أمر واقعي محسوس وهو النور للأول، والظلمات للثاني، وكأن تذييل هذه الاستعارة في هذا الكشف والإيضاح هو استخراج عنصرين من عناصر الطبيعة وهما الظلمات والنور، لإمكان تطبيقهما على حالتي الحياة والموت في الإيمان والكفر، أو الهدى والضلال، أو العلم والجهل، وجميعها أمور معنوية عقلية.
وكما ظهر في الأصول الثلاثة المتقدمة وجه الشبه الاستعاري، فقد لا يظهر في الاستعارة وجه الشبه، ويكون إلى الخفاء أقرب، وعن الإدراك أبعد، فيعدونه من أحسن أنواع الاستعارة، وقد يبدو وجه الشبه كما تقدم- إلا أن خفاءه أوقع عند البلاغيين.
وقد عبر عن هذه الظاهرة العلوي (ت: 749 هـ) في حديثه عن التمثيل، وقد نوافقه في الفكرة، ولكننا نناقشه في النماذج التي اعتمدها أساسا لفكرته، قال:
«ثم إنه [يعني التمثيل] قد يتفاوت في الحسن لأنه يستعمل على وجهين:
(1) الأنعام: 122.