فهرس الكتاب

الصفحة 122 من 221

أحدهما: أن لا يظهر وجه التشبيه في الاستعارة بل يكون تقدير التشبيه فيها عسرا صعبا، فما هذا حاله بعد من أحسن أنواع الاستعارة، وهذا كقوله تعالى:

فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ ... «1» .

فما هذا حاله استعارة لا يظهر فيها وجه التشبيه، فلو أردت التكلف في إظهار وجه المشابهة لخرج الكلام عن حد البلاغة، وكلما ازدادت الاستعارة خفاء ازدادت حسنا ورونقا، وهذا هو مجراها الواسع المطرد.

وثانيهما: أن يكون هناك مشبه ومشبه به من غير ذكر أداة التشبيه، فما هذا حاله من الاستعارة دون الأولى في الحسن، والتمثيل في القرآن كقوله تعالى:

صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ (18) «2» .

فالآية إنما جاءت مسوقة على أن حال هؤلاء الكفار قد بلغوا في الجهل المفرط والعمى المستحكم في الإصرار والجحود على ما هم عليه من الكفر والعناد، بمنزلة من هو أصم أبكم أعمى فلا يهتدي إلى الحق، ولا يرعوي عما هو عليه من الباطل» «3» . والحق أن ما ذكره العلوي وارد بالنسبة للشق الأول في التقرير لا في المثال، وذلك أننا أوضحنا فيما سبق من هذا المبحث أن وجه الشبه الاستعاري في الاذاقة واللباس حسي إلى معنوي عقلي وهما الجوع والخوف، إلا أن يريد بوجه التشبيه العلاقة القائمة بين المشبه والمشبه به لا نسبة هذا الشبه، فيكون الأمر كما فرر.

وأما ما أورده في الطرف الثاني فمناقش فيه إذ قوله تعالى: صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ (18) «4» من التشبيه البليغ على أسلم الوجوه، لا من الاستعارة كما يتوهم، إذ قد تختلط الاستعارة بالتشبيه البليغ لتوهم اشتمالها

(1) النحل: 112.

(2) البقرة: 18.

(3) العلوي، الطراز: 3/ 345.

(4) البقرة: 18.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت