فإذا تجاوزنا عصر الخليل وسيبويه، ومحصنا الأمر خلال قرنين من الزمن وجدنا مباحث علم المعاني مدرجة ضمن الحلقات الموسوعية لعلمائنا القدامى، فأمامنا الفراء (ت: 207 هـ) في معاني القرآن، وأبو عبيدة (ت: 209 - 210 هـ) في مجاز القرآن، والجاحظ (ت: 255 هـ) في الحيوان والبيان والتبيين، وابن قتيبة (ت: 276 هـ) في تأويل مشكل القرآن. والمبرد (ت: 285 هـ) في الكامل، وثعلب (ت: 291 هـ) في قواعد الشعر، وابن المعتز (ت: 296 هـ) في البديع، وقدامة بن جعفر (ت: 337 هـ) في النقدين، والقاضي الجرجاني (ت: 366 هـ) في الوساطة، والحسن بن بشر الآمدي (ت: 370 هـ) في الموازنة بين الطائيين، والرماني (ت: 386 هـ) في النكت، والخطابي (ت: 388 هـ) في بيان القرآن، والحاتمي (ت: 388 هـ) في الرسالة الموضحة، وابن جني (ت: 392 هـ) في الخصائص وسر صناعة الأعراب، وأبو هلال العسكري (ت: 395 هـ) في الصناعتين، والشريف الرضي (ت: 406 هـ) في تلخيص البيان، والمجازات النبوية، وابن رشيق (ت: 456 هـ) في العمدة، وابن سنان الخفاجي (ت: 466 هـ) في سر الفصاحة وإضرابهم من العلماء المتخصصين ممن يطول ذكرهم، فلكل من هؤلاء يد على المعاني بالمعنى الاصطلاحي، فقد جاءت جهودهم متناثرة بين كتب النحو والبلاغة والنقد الأدبي، ولكنك تظفر بما تريد من علم المعاني، مزيجا بالنحو، أو مستلا من اللغة أو مسايرا للبلاغة، بيد أنا نريد أن نقف عن بعض المؤشرات الأصيلة عند كل من ابن قتيبة (ت: 276 هـ) وأبي سعيد السيرافي (ت: 368 هـ) وأحمد بن فارس (ت: 395 هـ) فقد استوعب الأول جملة من مباحث علم المعاني منذ عهد مبكر، وقد استعمل الثاني عبارة معاني النحو وقد أكد ابن فارس على معاني الكلام في مفردات علم المعاني وبذلك نلمس شيوع المفردات عند أهل الفن من جهة، واستقلال مصطلح المعاني من جهة أخرى.
فمن أطرف ما أورده أبو محمد عبد الله بن مسلم ابن قتيبة(ت:
276 هـ)جمعه لمادتي علمي المعاني والبيان في صدر كتابه «تأويل مشكل