فعدل سبحانه عن ذكر مادة الاغتياب مكررة وكنى عنها بأكل لحم الأخ، ولم يكتف بذلك حتى جعله ميتا، فكان هذا التشبيه التمثيلي الممض، والتجسيم الكنائي المشمئز داعية إلى العرب من جهة، وإلى تأنيب الضمير من جهة أخرى.
إن هذه المعاني التي أثارها القرآن الكريم، وهو يصوغها كنائيا تدل دلالة قاطعة على عدة جوانب نفسية توخى القرآن الكريم مراعاتها والحفاظ عليها، تكريما للألفاظ واحتراما للكلمات، ومراعاة لأدب النفوس، وكل ذلك يدل على أهمية الكناية وجليل منزلتها في التعبير المثلي في القرآن وعند العرب.
يستفاد من تقسيم البلاغيين المتأخرين، أن للكناية ثلاثة أقسام باعتبار المكنى عنه، فقد يكون المكنى عنه صفة، فتجيء الكناية لطلب نفس الصفة، وقد يكون المكنى عنه موصوفا فتجيء الكناية لطلب نفس الموصوف، وقد يكون المكنى عنه نسبة، فتجيء الكناية لطلب النسبة بين الصفة والموصوف.
وللوقوف على أبعاد هذا التقسيم نرصده بالشكل الآتي:
1 -كناية الصفة:
وهي التي يطلب بها نفس الصفة، والمراد بالصفة، الصفة المعنوية، كالجود، والكرم، والإباء والشجاعة وأمثال ذلك، لا النعت المعبر عنه بالصفة في اصطلاح النحويين «1» .
أ- فأنت إذا نظرت إلى قوله تعالى:
وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (29) «2» .
(1) ظ: القزويني، الإيضاح: 319.
(2) الإسراء: 29.