والتشبيه دون الخوض في التفصيلات التقسيمية المملة. وهذا ما يدعونا إلى اعتبار عبد القاهر الجرجاني مكتشف الاصطلاح البياني لا في حدوده التطبيقية فحسب بل في جزئياته واعتباراته البيانية بعامة.
يبدو لنا أن الحد الاصطلاحي لعلم البيان لم يعجز عبد القاهر الجرجاني بعد أن أبان متعلقات علم البيان ومفرداته، ولكنه كان غير معني بهذا الحد لحاجة في نفسه نميل إليها ونؤيده بها كثيرا، إذ لم يكن هدفه إضفاء صيغة الجزم على علم يتسع لمعالم عديدة اتساع اللغة والفن اللذين لصقا به وهما العربية والبلاغة، لذا كان اهتمامه- كما أسلفنا- منصبا حول ثمرات هذا العلم وجودة عطائه، وإلا فالتحديد الضيق لم يكن يغرب عن باله، ولا يغرب عن تطلعاته.
وأخيرا استقر البلاغيون على تعريف السكاكي (ت: 626 هـ) لعلم البيان «فهو معرفة إيراد المعنى الواحد في طريق مختلفة بالزيادة في وضوح الدلالة عليه، وبالنقصان ليحترز على ذلك عن الخطأ في مطابقة الكلام لتمام المراد» «1» .
ولا مانع من قبول هذا التعريف فهو جامع مانع كما يقول المناطقة باعتباره اتبع طريقتهم في الحد والتخريج، إلا أنه أدخل الدلالات اللفظية في مباحثه فعد كلا من الدلالة المطابقية والدلالة الالتزامية، والدلالة التضمنية في استيعاب علم البيان، وهي مباحث منطقية انتقل بها من روعة البيان وبهائه إلى عقم الكلام وتخريجاته «2» . وبعد بحث عقيم لا يسمن ولا يغني من جوع نجده يقول:
«وإذا عرفت أن إيراد المعنى الواحد على صور مختلفة لا يتأتى إلا في الدلالات العقلية، وهي الانتقال من معنى إلى معنى بسبب علاقة بينهما ... ظهر لك أن مرجع علم البيان عدّ هاتين الجهتين: جهة الانتقال
(1) السكاكي، مفتاح العلوم: 77.
(2) ظ: المصدر نفسه: 156.