فهرس الكتاب

الصفحة 19 من 221

بديعة، وتكون للمؤلفين آراء نقدية طريفة «1» .

إلا أنني أرى الحال مختلفة دون ريب عند عبد القاهر الذي وضع الأسس والمشخصات وجاء بالتسمية والمفردات، وعدد وفرع وقسم واستنبط وعلق ونظر وطبق في أصول علم البيان اصطلاحا، نعم لم يلجأ إلى التقسيمات الفلسفية، كما صنع من استفاده بعده مما أوجده هو من ركائز لم يضف إليها السكاكي شيئا، ولم يزد عليها القزويني بابا، فالطريق- كما يبدو لي- ممهدة من ذي قبل، إلا أن السكاكي ومن ورائه القزويني، قد تجاوزا المعقول في التفريعات، وجدا في الاستقصاء، وإطلاق المسميات بشائبة من الفكر المنطقي والحس الفلسفي الذي يبتعد في كثير من الأحيان عن البعد البلاغي، مما يدخل البلاغة العربية الأصول في استنباطات أعجمية وثقافات أجنبية.

وهذا لا يعني أننا نغض من قيمة ما قدمه كل من السكاكي(ت:

626 هـ)والخطيب القزويني (ت: 739 هـ) ولكن السبق البياني لعبد القاهر وله الأصل وهم المفرعون، فهم وإن أوجدوا التقسيمات المطولة، والحدود المفرقة والمميزة إلا أن طريقة عبد القاهر فيما يبدو لي أجدى نفعا، وأعم فائدة، وأكثر واقعية، وهو يريد أن ينحدر تبعا لباحثية- إلى مفاهيم مختلطة في المنطق والأصول وعلم الكلام والفلسفة، ووجد طلاب هذا العلم على وشك الوقوع في دوامة من الجدل والرد والنقض والحد والتعريف والإدخال والإخراج بحيث تضيق الدائرة لتصبح لغزا رياضيا لا فنا جماليا، وبالتالي تكون العناية بالنظرية لا بالتطبيق، النظرية المشوبة بكثير من الأوشاب الضارة لتنتج هروبا عن هذا العلم، ونزوعا إلى التقسيمات العميقة الدائرة في فلكه، فعمد عن قصد وإصرار إلى مزج الفكر بالواقع، واللغة بالعاطفة، والعلم بالفن، في إعطاء نماذج وأمثلة وتطبيقات نابعة من القرآن الكريم والشعر العربي، يجملها حينا ويفصلها حينا آخر، بحسب مقتضيات التلاؤم والتناسب في البيان، شبيها بما أسداه من ذي قبل السيد الشريف الرضي (ت: 406 هـ) في تلخيص البيان عن

الاستعارة

(1) أحمد مطلوب، فنون بلاغية: 20.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت