وجاء من بعد الزمخشري فخر الدين الرازي (ت: 606 هـ) فذكر هذين المصطلحين في حديثه عن الخبر فقال:
«ولكن الخبر هو الذي يتصور بالصور الكثيرة، وتظهر فيه الدقائق العجيبة والأسرار الغريبة من علم المعاني والبيان» «1» .
ومع هذا التأكيد من الزمخشري والرازي لعلمي المعاني والبيان إلا أن الدكتور أحمد مطلوب يشكك في وضوح هذين المصطلحين عندهما، ولا يستطيع أن يتبيّن مفهوم البيان والمعاني بالدقة الاصطلاحية قبل السكاكي (ت: 626 هـ) الذي عدّه أول من قسم البلاغة إلى معان وبيان ومحسنات، وحدد موضوعاتها وأرسى قواعدها، وأنه أول من أطلق على الموضوعات المتعلقة بالنظم مصطلح «علم المعاني» وعلى الموضوعات التي تبحث في الصورة الأدبية: التشبيه والمجاز والكناية- مصطلح علم البيان» وأنه أول من سمى غير هذه البحوث محسنات، أو وجوها مخصوصه يصار إليها لقصد تحسين الكلام» «2» .
وأرسل ابن الأثير (ت: 637 هـ) فيما بعد اسم علم البيان إرسال المسلمات في حديثه عن الأحوال اللفظية والمعنوية بقوله «وصاحب علم البيان ... عليه بالنظر في كتابنا هذا أو التصفح لما أودعناه من حقائق علم البيان» «3» .
ومع ما قدمناه من استقطاب عبد القاهر لمفردات علم البيان وتأكيده لها، وصحة تقسيم الزمخشري لقسمي البلاغة في استكناه بلاغة القرآن الكريم وورود هذا المصطلح عند كل من الرازي وابن الأثير نجد الدكتور أحمد مطلوب- مرة ثانية- يذهب إلى أن للبيان عند هؤلاء معنى واسعا يدل على البلاغة كلها، ويكاد كلهم يجمعون على أن البيان هو الإفصاح عما في النفس من المعاني والأحاسيس، وهذا معنى أدبي جميل أعطى البلاغة حياة وأكسبها رونقا، وفتح أمامها السبيل لتخوض موضوعات أدبية
(1) الرازي، نهاية الإيجاز: 36.
(2) أحمد مطلوب، مصطلحات بلاغية: 56 وما بعدها.
(3) ابن الأثير، المثل السائر: 1/ 31.