المختلفة المتشعبة في مناخ مظلم مكفهر يسلمك إلى الرهبة والفزع والتوقع وما ذاك إلا للتأثير البلاغي في النفس.
والمساواة في المباحث البلاغية توصف بمجالها الخاص بأنها تأتي احترازا من التطويل، وتفاديا للإضافات غير المجدية، وذلك بموافقة اللفظ للمعنى المحدد له، ولا علاقة لهذه الظاهرة بمعاني النحو كعلاقتها بكيفية عرض البيان سليما من الحشو واللغو والهذر. ومن أبرز أمثلة المساواة قوله تعالى: وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ «1» .
فلم تزد في اللفظ على المعنى، ولم تنقص من دلالته عليه وذلك ينظر إليه في مجال دلالة الألفاظ على المعاني المحددة لها من وجهة نظر نقدية وبلاغية بعيدة عن عالم النحو.
إذن، فالمباحث هذه- فيما يبدو لي- أعني الفصل والوصل، والإيجاز الإطناب والمساواة، ينبغي أن تقتطع من مباحث معاني النحو لتضاف إلى مباحث البيان في منهجة البلاغة العربية، لقربها منها ولصوقها بها، لما أقمناه من دلائل توضيحية ترجح هذا الرأي، وتدعم هذا الموقف.
والمباحث المتقدمة، أعني: قضايا الإسناد، بأبوابها الثلاثة: أحوال الإسناد الخبري، وأحوال المسند إليه، وأحوال المسند، وأحوال متعلقات الفعل، والقصر والإنشاء ينبغي أن توصل بعلم النحو، فهي معاني النحو لا شك في ذلك لما بيناه آنفا.
نعم مباحث الفصل والوصل والإيجاز والإطناب والمساواة وإن كانت لا تخلو من لمسات نحوية، وملامح اعرابية إلا أنها مباحث بلاغية، ومباحث الإسناد، ومتعلقات الفعل، وقضايا التقديم والتأخير والحذف والإظهار والإضمار والتقدير، والقصر والحصر، والخبر والإنشاء، وإن
(1) فاطر: 43.