يتقدم حصول اللذة به ألم، وإذا حصل الشعور به من وجه دون وجه، تشوقت النفس إلى العلم بالمجهول، فيحصل لها بسبب المعلوم لذة، وبسبب حرمانها عن الباقي ألم، ثم إذا حصل لها العلم به: حصلت لها لذة أخرى واللذة عقب الألم أقوى من اللذة التي لم يتقدمها ألم» «1» فهو يتحدث عن الأثر النفسي للإطناب، والشعور باللذة بعد الألم، وأين هذا من معاني النحو؟ نعم قد تفيد مباحث الإطناب التنبيه على ذكر الخاص بعد العام وذلك للتأكيد على الأمر، وبيان فضله وأولويته وسابقته، وهو تعبير بلاغي ذو وقع موسيقي وتفصيل إيضاحي كما في قوله تعالى:
حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى «2» .
فقد ذكر الصلاة الوسطى وهي خاص بالنسبة لعموم الصلوات، وذلك لبيان أهميتها في التشريع، ومنزلتها من بين الصلوات، وهذا يرجع إلى الإفاضة في دلالة الألفاظ البيانية لا إلى النحو.
وموارد الإطناب في القرآن عديدة تتقاطر بحسب الحاجة إليها في بيان المشكل، واستقراء المجهول، وكشف الغيب، وهي أكثر من أن تحصر، وكان مما أطنب في ذكره القرآن، وأفاض فيه بكثير من التفصيل حال المنافقين، نظرا للدور المهم الذي لعبه هؤلاء في التصدي للإسلام والتعدي على المسلمين، وبغية أن يحذرهم المؤمنون في كل طور ودور بكل زمان ومكان جاء تمثيلهم بآيات البقرة (17 - 20) بكثير من التفصيل لأحوالهم النفسية، وواقعهم المرير، ذلك لتصوير الحالة المتأرجحة لهم بين الغلاف الحاجز المبطن والإرهاب المستعار، وبين الظاهر المستقيم والوجه الصالح الذي يتراءون به، وكشف هذا المناخ المكثف يحتاج إلى وصف شاف وبيان مستفيض «3» .
ولست بحاجة في هذا البيان الذي طرحه القرآن في صفة المنافقين وأعمالهم، ومصائرهم، إلا للذائقة الفنية التي تميز بين هذه الأوصاف
(1) القزويني، الإيضاح: 301.
(2) البقرة: 238.
(3) ظ: المؤلف، الصورة الفنية: 219.