حينما يتحدث عن الفصل والوصل، والتقديم والتأخير، والذكر والحذف، والمسند والمسند إليه، والتعريف والتنكير، فإنما يتحدث عن علم المعاني، وإن لم يقل إن هذه هي مادة علم المعاني، ومفرداته فهو أمر مفروغ منه عنده في تأكيده المعاني، وارتباط فكرة النظم بمعاني النحو، مشفقا على ذلك ومفرعا عنه «ولا ريب في أن الفضل في ابتكار هذا العلم يعود إلى عبد القاهر وحده، فإن مسائل هذا العلم لم تدرس قبله، ولم تعالج على هذا النحو .. ولعل تمعن عبد القاهر في الحديث عن معاني النحو، وأن النظم ليس شيئا إلا توخي هذه المعاني، هو الذي أوحى بتسمية هذا العلم «بعلم المعاني» «1» .
وما يقال عن علم المعاني في ترتيب عبد القاهر لمباحثه البلاغية يقال عن «علم البيان» نصا، مما يجعلنا نؤيد بقوة ما ذهب إليه الدكتور أحمد أحمد بدوي في حديثه عن الترتيب الطبيعي لمفردات علم البيان وأبوابه عند عبد القاهر «هذه الأبواب ذات الصلة المتشابكة، جمعها عبد القاهر في كتاب، واعترف بأهميتها في البلاغة العربية، وقرر أن البلغاء ينظرون إليها نظرة تقدير وإعجاب هي التي جمع شملها من جاء بعد عبد القاهر في مسائل علم البيان في محاولته تحديد مسائله، وذكر أقسامها، ومعرفة سر بلاغتها، والوقوف عند أمثلتها، يستوحي سر جمالها، وذلك مجتمعا لم يقم به بلاغي قبل عبد القاهر» «2» .
وبعد عبد القاهر نجد الزمخشري (ت: 538 هـ) يذكر مصطلحي علم المعاني وعلم البيان نصا في حديثه عن آداب التفسير «ولا يغوص على شيء من تلك الحقائق إلا رجل قد برع في علمين مختصين بالقرآن وهما علم المعاني وعلم البيان» «3» مما حدا بالدكتور شوقي ضيف أن يعده أول من ميز بين المصطلحين، وقسم البلاغة إلى علمين هما المعاني والبيان «4» .
(1) أحمد أحمد بدوي، عبد القاهر الجرجاني وجهوده في البلاغة العربية: 369.
(2) المرجع نفسه: 371.
(3) الزمخشري، الكشاف: 1/.
(4) شوقي ضيف، البلاغة تطور وتاريخ: 221 وما بعدها.