فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 221

الحد، أو الغلظة في الرسم، أو الصرامة في القاعدة، لهذا وأمثاله لم نجد عبد القاهر مهتما بإعطائنا أية حدود بلاغية تخص التعريف في أي مجال، بل كان يؤثر الحديث عن قيمة أي أصل بلاغي، وفنية دلالته، بدلا من الدخول في تحديدات مربكة، أو تعريفات فارغة، لهذا نجده إزاء علم البيان متحدثا ببيانه الساحر ومنطقه الجزل، ومصرحا باسمه دون من سبقه تسمية اصطلاحية، ولكنه لم يعطنا بذات الوقت تعريفا اصطلاحيا، فيقول:

«ثم إنك لا ترى علما هو أرسخ أصلا، وأبسق فرعا، وأحلى جنى، وأعذب وردا، وأكرم نتاجا، وأنور سراجا من «علم البيان» الذي لو لاه لم تر لسانا يحوك الوشي، ويصوغ الحلي، ويلفظ الدر، وينفث السحر، ويقري الشهد، ويريك بدائع من الزهر، ويجنيك الحلو اليانع من الثمر، والذي لولا تحفيه بالعلوم وعنايته بها، وتصويره إياها لبقيت كامنة مستورة، ولما استبنت لها يد الدهر صورة، ولاستمر السرار بأهلتها، واستولى الخفاء على جملتها، إلى فوائد لا يدركها الإحصاء، ومحاسن لا يحصرها الاستقصاء» «1» .

فأنت تلاحظ من هذا النص وصفا تقويميا لعلم البيان، وتأكيدا حثيثا على أهميته وقيمته، ولقد ورد فيه اسم علم البيان نصا، وورود التسمية عند عبد القاهر لم يكن عبثا دون مسمى، ولم يأت فارغا دون تطبيق، لأن مما لا شك فيه أن عبد القاهر تعقب هذه التسمية بمسمياتها، وهذا العلم بتفريعاته، فقد تحدث بإسهاب عن الحقيقة والمجاز، ثم عن الاستعارة وأصنافها، ثم نجده فقد فصل القول في التشبيه والتمثيل، ثم يعرض إلى الكناية والتعريض. فهل ترى عبد القاهر في وضع هذه الأبواب، وبحث هذه الفصول، كان يقوم بعمل اعتباطي غير منظم دون لمح إلى هذا الترتيب القويم لمفردات «علم البيان» أما أنا فلا أعتقد ذلك، بل الذي أراه أنه عمد إلى مفردات علم البيان فبحثها ونظر لها وتعقبها، ليضع بذلك مقاييس علم البيان، كما أن جهوده في فكرة النظم، وارتباطها بمعاني النحو، ما كان إلا تمهيدا طبيعيا لما تعارفوا عليه فيما بعد باسم «علم المعاني» ؛ فهو

(1) عبد القاهر الجرجاني، دلائل الإعجاز: 4.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت