على ذكر الطرفين، كما في الآية، فقد عد الآلوسي (ت: 1270 هـ) فيها ضربا «من التشبيه البليغ عند المحققين لذكر الطرفين حكما، وذكرهما قصدا: حكما أو استعارة- مانع من الاستعارة عندهم» «1» .
وهذا رد على من زعم أن في الآية استعارة، وهذا التقرير وارد لأمرين:
الأول: إن الحديث عن المنافقين، وهم يملكون أداة السمع ولكن لا يفقهون قولا، ويحملون آلة النطق وهي اللسان، ولكن لا ينبسون ببنت شفة، وهم يتمتعون بوجود العين، ولكن لا يبصرون شيئا، إذ لم يسخروا هذه الجوارح في طرقها المشروعة بوصفها وسائل للهداية، ودلائل إلى الحق، لهذا وصفوا بالصم والخرس والعمى، تشبيها بمن لا يمتلك هذه الجوارح، فهو أصم حقيقة، وأبكم واقعا، وأعمى تشخيصا، ولما اشتمل البيان هنا على المشبه والمشبه به عاد تشبيها بليغا لا استعارة.
الثاني: لو قيل أن في الآية استعارة لوجب أن يكون المستعار له غير مذكور، ولما كان المستعار له مذكورا وهو (المنافقون) بأعيانهم حملت الآية على التشبيه البليغ، إلا أن يقال أن المستعار له حال المنافقين لا أشخاصهم فتكون حينئذ الاستعارة تبعية تصريحية «2» . «والاستعارة إنما تطلق حيث يطوي ذكر المستعار له، ويجعل الكلام خلوا عنه صالحا لأن يراد به المنقول عنه والمنقول إليه» «3» . ولما لم يكن هناك نقل ولا طي عن ذكر المستعار له فهو موجود، فلا وجه لتسمية ذلك بالاستعارة، بل هو بالتشبيه البليغ أليق وأولى.
وليس ما يجري على سنن الاستعارة من طي ذكر المشبه من الاستعارة، بل يرد إلى التشبيه عادة، ففي قوله تعالى:
أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ ... «4» .
(1) الآلوسي، روح المعاني: 1/ 169.
(2) ظ: المؤلف، الصورة الفنية في المثل القرآني: 212.
(3) الزمخشري، الكشاف: 1/ 77.
(4) البقرة: 19.