فهرس الكتاب

الصفحة 9 من 221

الرَّحْمنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيانَ (4) «1» .

وهو المنطق الفصيح المعرب عما في الضمير كما يقول الزمخشري «2» فهو لغة الضمير المعبر عنها بالكلمات، وهو حديث النفس المصور بالألفاظ، لهذا فعل في العقول ما يفعل السحر فصور النبي الكريم صلّى الله عليه وآله وسلّم ذلك بقوله:

«إن من البيان لسحرا» «3» .

فاحتفاؤنا به احتفاء بركن قويم من أركان الوعي البشري المتطور، ينطق به الفكر وينبض به الجنان، فهو من العرب عصارتها، ومن الحضارة زبدتها، تزان به ثمرات العقول، وتقاس عليه مدارج الرقي، وتبلغ فيه حاجات النفس، وتبلّغ به رسالات السماء، ويميز به الإنسان عن سائر المخلوقات، فبحسبه أنه مبين، تمييزا عن الأبكم والأعجم والأخرس، وتفضيلا عن الصامت والواجم والجماد، ولا تذهب كل مذهب، فللبيان إطلاق في اللغة، وإطلاق في الاصطلاح، وللتفريق بينهما لا بدّ من مقارنة ترفع الإبهام، وتزيل الغموض، فليس كل بيان بيانا، ولا كل منطق بفصيح، فالكلام مراتب، والأفهام تتفاوت، فما كان منه بوجه من وجوه العربية الفصحى، مشتملا على المجاز في شتى ضروبه، والتشبيه بمختلف صنوفه، والاستعارة بأبهى إرادتها، والكناية بأبلغ أداتها، فهو البيان المعني بالحديث، بل هو علم البيان في التفريع عند التطبيق، وما كان قاصدا إلى التعبير فحسب، فهو إبانة قد تحقق مميزات هذا العلم، وقد لا تحققها، من هنا لم يكن هناك مناص من التفريق بين الوجهين في ضوء المعنى اللغوي والمصطلح الفني لنخلص إلى ما نريد بالتحديد.

وهذا ما يقتضي بيان المعنى اللغوي من جهة، ومسايرة البيان بمعناه العام من جهة ثانية، وتحديد المصطلح البياني ثالثة، وهو ما تبحثه الصفحات الآتية.

(1) الرحمن: 1 - 4.

(2) الزمخشري، الكشاف: 4/ 353.

(3) ابن الأثير، النهاية في غريب الحديث والأثر: 1/ 174.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت