فهرس الكتاب

الصفحة 43 من 221

يهدف إلى الفائدة المتوخاة من الكلام، لأن الكلام «إنما هو مبني على الفائدة في حقيقته ومجازه» «1» .

لهذا كانت الآراء المتطرفة مرفوضة تطبيقيا ونظريا حينما أنكرت المجاز تارة، والحقيقة تارة أخرى، من قبل فريقين من الآراء المسرفة في الأحكام، لهذا كان ما أورده العلوي (ت: 749 هـ) يعد بحق قولا فاصلا إذ وفق إلى إيجاد مقارنة سليمة في الموضوع. قال العلوي:

«إن من الناس من زعم أن اللغة حقيقة كلها، وأنكر المجاز، وزعم أنه غير وارد في القرآن ولا في الكلام. ومنهم من زعم أن اللغة كلها مجاز، وأن الحقيقة غير محققة فيها، وهذان المذهبان لا يخلوان من فساد؛ فإنكار الحقيقة في اللغة إفراط، وإنكار المجاز تفريط، فإن المجازات لا يمكن دفعها وإنكارها في اللغة، فإنك تقول: «رأيت الأسد» وغرضك الرجل الشجاع، وقوله تعالى: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ «2» وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ ... «3» إلى غير ذلك. ولا يمكن إنكار الحقائق كإطلاق الأرض والسماء على موضوعيهما، وأيضا فإنه إذا تقرر المجاز وجب القضاء بوقوع الحقائق، لأنه من المحال أن يكون هناك مجاز من غير حقيقة. فإذا بطل هذا القول فالمختار هو الثالث، وهو أن اللغة والقرآن مشتملان على الحقائق والمجازات جميعا، فما كان من الألفاظ مفيدا لما وضع له في الأصل فهو المراد بالحقيقة، وما أفاد غير ما وضع له في أصل وضعه فهو المجاز» «4» .

والحق أن ما قرره العلوي هو المختار، وهو ما نأنس به ونميل إليه، فليست اللغة كلها حقيقة، وليست كلها مجازا، بل هي خليط من هذا وذاك، ومع هذا تبقى الحقيقة وهي «اللفظ الدال على موضوعه الأصلي» «5» هي الأصل المشرع في الاستعمال، ويظل المجاز فرعا عن ذلك الأصل،

(1) الآمدي، الموازنة بين الطائيين: 179.

(2) يوسف: 82.

(3) الإسراء: 24.

(4) العلوي، الطراز: 1/ 44.

(5) ابن الأثير، المثل السائر: 1/ 58.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت