أحدها: التعمية والتغطية، وثانيها: الرغبة عن الخسيس المفحش إلى ما يدل على معناه من غيره.
ثالثها التفخيم والتعظيم، ومنه اشتقت الكنية «1» .
هؤلاء الأعلام الثلاثة أشاروا مجتمعين إلى بعض جوانب الكناية دون التمحض للتعريف، ووضع الحد الاصطلاحي الدقيق، فأبو عبيدة يدور حوله موليا للكناية مهمة النحويين في الإضمار وعدم الإظهار، والجاحظ يعدها في الأساليب البلاغية ليس غير، والمبرد يتحدث عن مميزاتها والهدف منها، وطريقة استعمالها.
ج- وفي جانب آخر نلحظ كلا من أبي هلال العسكري (ت: 395 هـ) وأبي علي الحسن بن رشيق القيرواني (ت: 456 هـ) خالطين بين الكناية والتعريض تارة، وبين الكناية والإشارة تارة أخرى. فأبو هلال يقول: «الكناية والتعريض أن يكنى عن الشيء ويعرض به ولا يصرح، على حسب ما عملوا باللحن والتورية عن الشيء» «2» . وابن رشيق أدخل الكناية في باب الإشارة لأنها نوع من أنواعها كالتفخيم والإيماء والتعريض والكناية والتمثيل والرمز واللحن واللغز والتعمية والحذف والتورية «3» .
فهي عنده قسيم لا أساس، وفرع لا أصل.
د- وجاء عبد القاهر الجرجاني (ت: 471 هـ) ليضع للكناية حدا اصطلاحيا وبعدا بيانيا تبعه عليه من لحقه واقتفى أثره فيه من أتى بعده، فلقد تناول الكناية في عدة مواضع من معالجاته البلاغية موجزا ومفصلا ومدللا.
قال في تعريفها: «المراد بالكناية هاهنا: أن يريد المتكلم إثبات معنى من المعاني، فلا يذكره باللفظ الموضوع له في اللغة، ولكن يجيء إلى معنى هو تاليه وردفه في الوجود، فيومئ به إليه، ويجعله دليلا عليه» «4» .
(1) المبرد، الكامل: 2/ 674.
(2) أبو هلال العسكري، كتاب الصناعتين: 368.
(3) ابن رشيق، العمدة: 1/ 312.
(4) الجرجاني، دلائل الإعجاز: 40.