من الإفصاح، والتعريض أوقع من التصريح وأن للاستعارة مزية وفضلا، وأن المجاز أبدا أبلغ من الحقيقة، إلا أن ذلك وإن كان معلوما على الجملة فإنه لا تطمئن نفس العاقل، في كل ما يطلب العلم به حتى يبلغ فيه غايته، وحتى يتغلغل الفكر إلى زواياه، وحتى لا يبقى عليه موضع شبهة، ومكان مسألة ... واعلم أن سبيلك أولا: أن تعلم أن ليست المزية التي تثبتها لهذه الأجناس على الكلام المتروك على ظاهره، والمبالغة التي تدعى لها في أنفس المعاني التي يقصد المتكلم إليها بخبره، ولكنها في طريق إثباته لها وتقريره إياها ... أما الكناية فإن السبب في أن كان للإثبات بها مزية لا تكون للتصريح أن كل عاقل يعلم- إذا رجع إلى نفسه- أن إثبات الصفة بإثبات دليلها، وإيجابها بما هو شاهد في وجودها آكد وأبلغ في الدعوى من أن تجيء إليها فثبتتها هكذا ساذجا غفلا، وذلك أنك لا تدعي شاهد الصفة ودليلها إلا والأمر ظاهر معروف، وبحيث لا يشك فيه، ولا يظن بالمخبر التجوز والغلط» «1» .
ولا يكتفي عبد القاهر في بيان مزايا الكناية وخصائصها عند هذا الحد بل يزيد الفكرة شرحا، وينورها إيضاحا فيقول: «فينبغي أن تعلم أن ليست المزايا التي تجدها لهذه الأجناس على الكلام المتروك على ظاهره والمبالغة التي تحسها في أنفس المعاني التي يقصد المتكلم بخبره إليها، ولكنها في طريق إثباته لا، وتقريره إياها إنك إذا سمعتهم يقولون: إن من شأن هذه الأجناس أن تكسب المعاني مزية وفضلا، وتوجب لها شرفا ونبلا، وأن تفخمها في نفوس السامعين: لا، فإنهم لا يعنون أنفس المعاني التي يقصد المتكلم بخبره إليها كالقرى والشجاعة والتردد في الرأي، وإنما يعنون إثباتها لما تثبت له ويخبر بها عنه، فإذا جعلوا للكناية مزية على التصريح لم يجعلوا تلك المزية في المعنى المكنى عنه، ولكن في إثباته للذي ثبت له، وذلك أنا نعلم أن المعاني التي يقصد الخبر بها لا تتغير في أنفسها بأن يكنى عنها بمعان سواها، ويترك أن تذكر الألفاظ التي هي لها في اللغة، ومن هذا الذي يشك أن معنى طول القامة وكثرة القرى لا
(1) الجرجاني، دلائل الإعجاز: 48 وما بعدها.