وعلم البديع مزيج من هذا وذاك تارة، ومادة خصبة لموضوع جرس الألفاظ ووقعها تارة أخرى، فهو مستقل عن المعاني والبيان في كثير من الملاحظ الفنية.
وهذه الدراسة المختصرة بسبيل توضيح هذه المسائل إجمالا، والتأكيد على كشف الوجه الحقيقي لعلم المعاني وهو يتأرجح بين الأصل النحوي والموروث البلاغي وضرورة عودته إلى جذوره الأولى ليحتل مكانه في النحو العربي.
إن هذه الدراسة «علم المعاني بين الأصل النحوي والموروث البلاغي» عبارة عن محاولة جادة ومتواضعة في وقت واحد، جادة فيما تحاوله من أمر، ومتواضعة فيما تقدمه من نتائج، قد أكون موفقا، وقد أكون مجانبا للصواب، ومهما يكن من أمر فقد اخترتها بين عناء الاستنتاج ووحشة الطريق.
وكانت طبيعة مصادر الموضوع ومراجعه تتناوب بين أصول البلاغة والنحو واللغة قديمها وحديثها، نستعين بهذا، ونسترشد بذاك، ونناقش هذا وذاك مستخلصين زبدة الموضوع، قاصدين إلى بلورة البحث، هادفين إلى بيان النظرية، واستجلاء الأمر، فكان نتيجة لذلك أن نكون هذا البحث من ثلاثة فصول كالآتي:
الفصل الأول: وكان بعنوان (علم المعاني- تعريفا وتقسيما) بدأناه بعرض منهجي للبلاغة في مقياسها الفني، وتقسيم الكلام على ألفاظ ومعاني، وأشتات تعريفات
البلاغة بمعناها العام، وتقسيمها إلى علمين أصليين هما المعاني والبيان وإيجاد البلاغيين علما ثالثا لهما يعنى بالشئون الهامشية للألفاظ والمعاني.
وعرضنا للمعاني لغة والمعاني في الاصطلاح، وتداول علم المعاني منذ عهد مبكر لدى السابقين لعصري السكاكي (ت: 626 هـ) والقزويني (ت: 736 هـ) بعدة قرون، وخلصنا إلى سيرورة استعمال مسميات علم المعاني في القرنين الرابع والخامس من الهجرة النبوية المباركة.
وطرحنا التقسيم التقليدي لمباحث المعاني متأثرا بمتاهات عصره في