القول بعيدا عن التعقيد المعنوي واللفظي، والتنافر في الكلمات والمضامين إذ لا قيمة لأي نص مغلق أو تعبير مشكل.
المؤشر الثاني: وصفه عليه السلام لأداة البليغ بقوله: «ما رأيت بليغا قط إلا وله في القول إيجاز، وفي المعاني إطالة» «1» . وهو بهذا يقسم الكلام على ألفاظ وعلى معان، ويعتبرهما قسيمين متقابلين ومتعادلين بوقت واحد، فهما متقابلان لأنهما أداة الكلام وقوامه، أي ركناه، وهما متعادلان، لأن الكلام لا ينتظم إلا بهما مجتمعين، وهو ما أدركه بعد حين ابن رشيق القيرواني (ت: 456 هـ) حينما قال:
«اللفظ جسم، وروحه المعنى، وارتباطه كارتباط الروح بالجسم، يضعف بضعفه، ويقوى بقوته» «2» .
أضف إلى ما تقدم اعتبار الإمام؛ الإيجاز أصل البلاغة وهو رأي يذهب إليه جملة من البلاغيين في عصور لاحقة «3» .
المؤشر الثالث، قوله عليه السلام: «لولا أن الكلام يعاد لنفد» «4» ، ومراده كما يفهم أن البيان ذو كلمات واحدة في اللغة الواحدة ولكن هذه الكلمات تتمايز في التركيب، وتتفاوت في التنظيم الجملي، ويعبر عنها كل أحد بما تسيغه ذائقته البلاغية، وإلا لضاقت اللغة عن المراد، وهو ما عبر عنه البيانيون بإيراد المعنى الواحد بصور مختلفة،
وهو علم البيان.
وهناك أشتات متفرقة لتعريف البلاغة عند الأمم سردها أبو عثمان الجاحظ (ت: 255 هـ) «5» .
وأما عند العرب، فقد نقل عنهم النويري (ت: 733 هـ) أنها «ما فهمته العامة ورضيته الخاصة» «6» .
(1) المصدر نفسه: 180.
(2) ابن رشيق، العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده: 1/ 124.
(3) ظ: الجاحظ، البيان والتبيين: 1/ 87.
(4) أبو هلال العسكري، كتاب الصناعتين: 202.
(5) الجاحظ، البيان والتبيين: 1/ 87.
(6) النويري، نهاية الأرب: 7/ 10.