فهرس الكتاب

الصفحة 74 من 221

تعبيرا عن البيئة العربية في مختلف مشاهدها ورحابها، وفي الشعر الجاهلي وصدر الإسلام كثير من صوره وألوانه، وفي كتاب الله- تعالى- جمهرة من أنواعه، جاءت لتصور المعنى أدق تصوير، وتضيف إلى الشكل أبهى الحلل وأروعها، وهي صوت لم تأت حلية أو زينة تضاف إلى التعبير، وإنما هي جزء منه.

وكان لتشبيهات القرآن أثر مهم في كلام العرب، فأدارها الشعراء في قصائدهم، واتخذها الكتاب أساسا لتصويرهم، وكانت- أيضا- عمدة البلاغيين في ضرب الأمثلة والموازنة بين فنون البيان المختلفة «1» وكان أداة صالحة للتدليل على إعجاز القرآن وبلاغته في معالم عديدة، حتى لم يخل منه كتاب، ولم ينب عنه باب.

وهذا ما يفسر لنا أن التشبيه لم يكن فنا طارئا، ولا علما مدخولا على البلاغة العربية، بل هو من الأسس البيانية التي وطدت دعائم الفن البلاغي بعامة، وما ذلك إلا لخصائص ومميزات؛ التصقت به فجعلته في الذروة من الفنون عند العرب. هذا بالإضافة إلى تأثيره النفسي والعقلي فإنه يتنقل بالإنسان من أفق إلى أفق، ويتخطى به من مناخ إلى مناخ، عدا الجانب البلاغي الذي يجمع إلى جنب المبالغة المهذبة الإيجاز الساحر، وإلى جنب البيان الرصين، التصوير الدقيق.

وهذا وذاك مما جعل ابن الأثير (ت: 637 هـ) يعد التشبيه: «يجمع صفات ثلاثا هي المبالغة والبيان والإيجاز» «2» .

وهو مصيب بهذا الاعتبار، فالتشبيه- وهو أداة بيانية- قد جمع إلى جنب البيان المبالغة والإيجاز.

أما المبالغة فيه: فالارتفاع بالمشبه إلى حد المشبه به من قولك في مثال ساذج: «وجهك كالقمر» فمهما بلغ حسن الوجه وبهاؤه فإنه لا يبلغ مستوى القمر في سنائه وإشراقه. وأما الإيجاز: فهاتان الكلمتان مع أداة

(1) ظ: أحمد مطلوب، فنون بلاغية: 27.

(2) ابن الأثير، المثل السائر: 1/ 394.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت