فهرس الكتاب

الصفحة 76 من 221

فيها، وكذلك إذا شبهتها بصورة شيء أقبح منها كان ذلك مثبتا في النفس خيالا يدعو إلى التنفير منها» «1» .

والذي أعتقده أن ابن الأثير قد استفاد هذا الحكم في التشبيه- وإن كان بديهيا إلى حد ما- من خلال نظره في تشبيهات العرب بعامة، وفي تشبيهات القرآن بخاصة، إذ يلاحظ أن التشبيهات القرآنية قد ربطت إلى جانب الحس العاطفي تخيل الصورة في النفس، وإثارة الانفعالات الوجدانية حولها في مجالين متقابلين هما مجال الترغيب، ومجال التنفير، تمشيا مع اعتياد العرب في ذلك.

أ- أما في الترغيب فانظر إلى قوله تعالى: وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ (48) كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ (49) «2» .

ألا ترى ما في الوصف والتشبيه في هاتين الآيتين من التراصف، وإثارة النفس، نحو التعليق بمن تتحقق فيه هذه الأوصاف التي تطمئن إليها الروح، وتهش لها النفس، ويتطلع إليها الفكر مع نقاء الصورة، ولطف الاستدراج، ورقة الترغيب المتناهي، فقد وصف نساء أهل الجنة بحسن العيون الناظرة إلى أزواجها فحسب عفة وخفرا وطهارة، وشبههن بالبيض المكنون على عادة العرب في وصف وتشبيه من اشتد حجابه، وتزايد ستره، بأنه في كن عن التبرج، ومنعة من الاستهتار.

قال ابن ناقيا البغدادي (ت: 485 هـ) تعقيبا على تشبيه الآيتين:

«وهذا الكلام غاية في مناسبة الوصف ومطابقته، وبلاغة معنى التشبيه وموافقته» «3» .

ب- وأما في التنفير، فتزداد النفس عزوفا، وتتوارى عن الصورة المتخيلة أو المتجسدة نفورا، وقد شبهت بما هو أقبح منها، حتى تبدو الاستهانة واضحة والاشمئزاز منها متوقعا، مضافا إلى الهلع والرعب

(1) ابن الأثير، المثل السائر: 1/ 394.

(2) الصافات: 48 - 49.

(3) ابن ناقيا، الجمان في تشبيهات القرآن: 242.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت