فهرس الكتاب

الصفحة 80 من 221

في ظلال الشهوات، فالمتعة لا تتحقق لديهم إلا بانتقاء الأطعمة، والحياة لا تصفو إلا بأطايب المأكولات، عمد إلى تصوير حالهم مع كفرهم، وكونهم بذلك لا يرجون إلا الحياة الدنيا، ولا يعملون إلا لها، فقال تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ ... «1» وقد عقب ابن ناقيا البغدادي على ذلك فقال: «معنى تشبيههم بالأنعام في الأكل التخسيس لهم، والازدراء بهم في هذه الحال، ووصفهم بالجهل والدناءة، وأنهم يأكلون للشره والنهم كالبهائم. وذلك أن الأكل على ضربين: أكل نهمة،

وأكل حكمة، فأكل النهمة للشهوة فقط، وأكل الحكمة للشهوة والمصلحة والعرب تمدح بقلة الأكل وخفة الرزء، كما تذم بالرغب والبطنة والشره» «2» .

هذه الصور الثلاث التي سقناها مثلا على خصائص التشبيه نلاحظ فيها الجانب النفسي مقترنا إلى الجانب الفني، والغرض الديني مساوقا للغرض البياني. ففي النموذج الأول، رأينا القلب القاسي مشبها بالحجارة بل هو أقسى منها، وهي صورة حية يتخيلها الفكر بلمحة خاطفة ونظرة فاحصة بوقت واحد.

وفي النموذج الثالث: رأينا الصورة الباهتة المشوهة للذين كفروا، بأن شغلهم منحصر فيما يأكلون، ولذلك فقدرهم من خلال هذا ممثل بنتيجة ما يأكلون.

في كل هذه النماذج القرآنية نرى العلاقة قائمة بأصالة متناهية بين المشبه والمشبه به. لهذا نجد البلاغيين بحق قد اشترطوا وجود العلاقة بين المشبه والمشبه به بما يتناسب مع الإدراك، لأنه تقويم للتشبيه من الولوج بباب الإيغال والإيهام، وهذا يقتضي أن ينسجم التشبيه في طرفيه بما تسيغه الحواس المختلفة، لأن الجوانب الحسية قلما تتداخل مع بعضها، وتختلف باختلاف الحواس عند الإنسان، فهي تدرك حينا بالعين المجردة، وتدرك حينا بالعقل الفطري، وتدرك حينا بالواقع الملموس المشاهد، لئلا تتهافت

(1) محمد: 12.

(2) ابن ناقيا، الجمان في تشبيهات القرآن: 255.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت