الوجه الرابع: إخراج ما لا قوة له في الصفة إلى ما له قوة فيها» «1» .
والحق أن العسكري بهذا التقسيم عيال على الرماني كما أسلفنا، إذ نقل قوله حرفيا في الموضوع «2» .
وتابعه على هذا بدر الدين الزركشي (ت: 794 هـ) «3» وأورد النص ذاته جلال الدين السيوطي (ت: 911 هـ) «4» نعم أضاف كل من الزركشي والسيوطي نوعا خامسا إليها وهو: تشبيه ما تقع عليه الحاسة بما لا تقع، وهو عكس الوجه الأول الذي ذكره الرماني واستعاره منه العسكري «5» .
ولما كان الرماني فيها يبدو مؤسسا لاستخراج هذه المظاهر والوجوه، فقد وجدناه يضرب لها أمثلة حية من التشبيهات القرآنية، ويخصصها بأمثال القرآن الكريم مما يكشف لنا أن تشبيه المثل القرآني هو النموذج الأرقى لأنواع التشبيه.
فالنوع الأول: إخراج ما لا تقع عليه الحاسة إلى ما تقع عليه الحاسة وذلك كقوله تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا «6» .
قال الرماني: «وقد اجتمعنا في بطلان المتوهم من شدة الحاجة وعظم الفاقة، ولو قيل يحسبه الرائي ماء ثم يظهر على خلاف ما قدر لكان بليغا، وأبلغ منه لفظ القرآن، لأن الظمآن أشد حرصا عليه، وتعلق قلبه به، ثم بعد هذه الخيبة حصل على الحساب الذي يصيره إلى عذاب الأبد في النار ... وتشبيه أعمال الكفار بالسراب من حسن التشبيه، فكيف إذا تضمن مع ذلك حسن النظم، وعذوبة اللفظ، وكثرة الفائدة، وصحة الدلالة ... » «7» .
(1) العسكري، الصناعتين: 246 - 248.
(2) ظ: الرماني، النكت في إعجاز القرآن: 85.
(3) ظ: الزركشي، البرهان: في علوم القرآن: 3/ 421.
(4) ظ: السيوطي، الاتقان في علوم القرآن: 3/ 131.
(5) ظ: الزركشي، البرهان: 3/ 420، السيوطي، الاتقان: 3/ 131.
(6) النور: 39.
(7) الرماني، النكت في إعجاز القرآن: 75 - 76.