فهرس الكتاب

الصفحة 140 من 251

عليه واشتغال النفوس به، فإن الداعي حينئذ يقوى من وجهين من جهة المغالبة ومن جهة أكل المال فيكون حراما من الوجهين وهذا المأخذ أصح نصا وقياسا نعم وأصول الشريعة وتصرفاتها تشهد له بالاعتبار، فإن الله سبحانه قال في كتابه {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (91) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [المائدة: 90 - 92] فقرن الميسر بالأنصاب والأزلام والخمر وأخبر أن الأربعة رجس وأنها [87] من عمل الشيطان، ثم أمر باجتنابها وعلق الفلاح باجتنابها، ثم نبه على وجوه المفسدة المقتضية للتحريم فيها وهي ما يوقعه الشيطان بين أهلها من العداوة والبغضاء ومن الصد عن ذكر الله وعن الصلاة وكل أحد يعلم أن هذه المفاسد ناشئة من نفس العمل لا من مجرد أكل المال به فتعليل التحريم بأنه متضمن لأكل المال بالباطل تعليل بغير الوصف المذكور في النص وإلغاء للوصف الذي نبه النص عليه وأرشد إليه وهذا فاسد من الوجهين يوضحه أن السلف الذين نزل القرآن بلغتهم سموا نفس الفعل ميسرا لا أكل المال به، فقال غير واحد من السلف «الشطرنج ميسر العجم» (1) .

وصنف أبو محمد بن قتيبة كتابا في الميسر وذكر فيه أنواعه وأصنافه وعدها ومعلوم أن أكل المال بالميسر قد زاد على كونه ميسرا ولهذا كان أكل المال به أكلا له بالباطل لأنه أكل بعمل محرم في نفسه فالمال حرام والعمل حرام بخلاف أكله بالنوع الأول، فإنه أكل بحق فهو حلال والعمل طاعة.

(1) ورد ذلك عن علي بن أبي طالب ذكره القرطبي في التفسير (3/ 53) ، وانظر سنن البيهقي (10/ 215) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت