«أمّا بعد أعزّ الله الأمير فلو كان أحد يبلغ بحرصه رضا بشر، بصحة مودة وتفقد حق، وإيثار نصيحة لرجوت أن أكون، بما جبلني الله عليه، من تفقد ما يلزمني من ذلك، أكرم الناس عند الأمير منزلة، وألطفهم لديه حالا، وأبسطهم أملا، ولكن الأمور تجري على خلاف ما يروي العباد في أنفسهم، وإن من ساعده الدهر حظي في أموره كلها، واستحسن القبيح منه، وأضهرت محاسنه، وسترت مساوئه، ومن خالفه القضاء وأعان عليه الدهر، لم ينتفع يحرص، ولم يسلم من بغي، وقد كنت إذا افتخر الناس بساداتهم للأمير أطال الله بقاءه ذاكرا، وبيومه مسروا، ولغده راجيا، إلى أن أتانا الله من ذلك بما كنت أبسط له أملي، وأعظم فيه رجائي، وكان مني في إجهاد نفسي بالقيام بما يلزمني من نصيحة الأمير أيّده الله حسب الذي يحق علينا، فبينا أنا مشرف على إدراك كل خير، وبلوغ نهاية كل فضل، إذ رماني الدهر بفرقته، ولزمني من ذلك ما كنت أشدّ الناس زرية [1] به، فوجد أهل البغي والفرية إلي [2] سبيلا، وقد صرت أعزّ الله الأمير لمكان الخوف الذي ملكني نازع أمكنة، وغرض ألسنة، فلو تحقّق الأمير سيء حالي، وكنت العدوّ، لأشفق عليّ، ورثى لي، وذنبي أيّده الله عظيم، وخناقي ضيّق، وحجتي ضعيفة، وعفو الأمير وطوله أعظم من ذلك كله، فإن تداركني الأمير بما أؤمل فذاك الذي يشبهه
(1) رواية (ق) و (س) ، وفي (ر) رزية
(2) يرى الدكتور مصطفى جواد أن الأصح هنا: عليّ