فضل من مجلسك! فقال: ما أراكم ترضون بهذه المعاملة فيما بينكم! فقلت له: وأيّ معامله؟ فقال: ذهب بعض بني هشام، فحكى لعمرو ما جرى أمس في المجلس، فجاءني متنصّلا مظهرا ما وجب أن يظهره، فاعتذرت إليه وتبيّن الخجل فيّ، كأني اعتذرت من شيء قلته، ولقد أعطيته ما يقنعه مني أقله، لما داخلني من الحياء منه فقلت: أعيذك بالله من سوء الظن يا أمير المؤمنين، أنا أخبرته ببعض ما جرى، [لا بعض[1] ]بني هشام! قال: وما حملك على ذلك؟ قلت: الشكر لك والنصح والمحبة لأن تتم نعمتك على أوليائك وخدمك، ولعلمي بأن أمير المؤمنين يحب أن يصلح له الأعداء، فضلا عن الأولياء والأودّاء، لا سيما مثل عمرو في دنوّه من الخدمة وموقعه من العمل، ومكانه من رأي أمير المؤمنين، فخبّرته بما كان منه ليصلحه، ويقيم من نفسه أودها لسيّده ومولاه، ويتلافى ما فرط منه، ولا يفسد قلبه ويبطل الغناء الذي فيه، وإنما كنت أكون غبيا لو أذعت سرا على السلطان فيه ندم أو نقض تدبير، وأما هذا فما كان عندي إلا صوابا! فقال لي: أحسنت والله يا أحمد! وأمر لي بمال كثير.
ولم يزل المأمون بسعة ذرعه وكرم طبعه يحتمله، على نهمه وحدّته وسوء خلقه وعبوس وجهه المضروب به المثل في زمانه. حكى الجاحظ [2] : أن
(1) ساقط من (ق)
(2) يبدو أن النقل هنا عن رسالة الجاحظ في الوعد والانجاز أيضا، وليس هذا النص فيما طبع من هذه الرسالة.
انظر ما تقدم ص: 66حاشية: 3