سهل منبسط، «في غاية الخصب واعتدال الهواء [1] » ، ويشقها نهر جار، يسقي بساتينها ومزارعها، وعلى جانبيه جنّات وارفة الظلال، وعمارات متصلة. هذا الموقع الجغرافي جعل بلنسية مدينة غنية بتجارتها وزراعتها، فالقوافل لا تني تمر بها، وحركة الميناء البحري القريب منها لا تكاد تهدأ، ولخصب الأرض واعتدال الهواء تنوعت محصولاتها الزراعية، وكثرت فواكهها وثمارها، ورخصت أسعارها [2] ، وأصبحت كما يقول الحميري [3] جامعة لخيرات البر والبحر.
والمؤرخون يجمعون على الثناء على أهل بلنسية وأخلاقهم العربية الأصيلة [4] ، فلهم «حسن زي وكرم طباع، والغالب عليهم طيب النفوس [5] » .
في هذا المحيط الخيّر الخصب نشأ ابن الأبار وإذا كنا لا نعرف الشيء الكثير عن طفولته وشبابه فإن مؤلفاته الكثيرة التي وصل بعضها إلينا تدل على أن صابحها أمضى في التحصيل والدراسة زمنا ليس بالقصير قبل أن يكتمل تكوينه الثقافي وينشط إلى التأليف، فهو قد درس على شيوخ كثيرين، يردد أسماءهم في مؤلفاته، وينقل عنهم [6] ، من أمثال أبي
(1) المعجب للمراكشي: 370
(2) يقول الحميري: «وهي في أكثر الأمور راخية الأسعار» ص 47ولكنّ المقري ينقل في نفح الطيب (1/ 169) شعرا لبعضهم يصف فيه بلنسية بأنها «محلّ غلاء سعر» !
(3) صفة جزيرة الأندلس: 47
(4) يقول ياقوت: (وأهلها خير أهل الأندلس، يسمّون عرب الأندلس» معجم البلدان: 1/ 490
(5) الحميري: 47
(6) يقول الصفدي إن ابن الأبّار سمع الحديث من أبيه وأبي عبد الله محمد بن نوح الغافقي وأبي الربيع