فهرس الكتاب
وأنت تشعر بذلك أتم الشعور عندما تقرأ قول القرآن الكريم: (الله الذي سخر لكم البحر لتجري الفلك فيه بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون * وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون) فالبحر مثلا هنا مورد اقتصادى يستغله المؤمن استغلالا ماديا، ليقيم به حياته المدنية المجردة. وهو كذلك مورد معنوى حافل بأسرار القدرة وبسط الخلق وعظمة التكوين، فهو من هذه الناحية مثار تفكر وتدبر وإيمان!!. والناحية الاقتصادية في الآية هى الأساس الذى بنيت عليه الناحية المعنوية. وعلى هذا النحو استعرض القرآن ما في العالم ليقرر أن النظر في الكون إيمان، وأن العمل فيه عبادة. وزاوج الإسلام بين عمل الإنسان لربه وعمله لنفسه فأصبح كلا العملين يتخذ من الحياة مجرى واحدا. وفهم المسلمون من ذلك أن حاجة الدين للدنيا كحاجة الروح للجسم، فكما أن الرجل يحتاج ضرورات مادية تقيم كيانه وتحفظ حياته، وإلى كماليات يبتهج بتوفرها ويسرها وإلا فلن يستطيع عملا، فكذلك الدين يتطلب قوى مادية وأعمالا تعينه على تحقيق أهدافه وأداء رسالته، وإلا فسوف يجمد ويموت ... ويستحيل أن يبلغ المتدينون رسالة ربهم، إلا إذا فهموا منطق الحياة المادى، وصححوا غلطهم القديم نحوه، وقدسوا العمل في المزارع والمصانع والمتاجر كما يقدسون العمل في المساجد سواء بسواء. هذا العمل هو الذى نريد جعله ميزان الرجال. يثقل بهم أو يخف على حسب جهدهم. ولا يجوز احترام الأسباب المصطنعة الأخرى التى يجنح إليها الفاشلون كى يحصلوا على المال والجاه. فمن كان فقيرا في عمله وجب أن يكون فقيرا في ماله. ص_ ص9