فهرس الكتاب
ومن ربع قرن إلى الآن كانت وزارة الأوقاف تدفع لشركات التأمين نحو ألفين وخمسمائة جنيه في السنة تأمينا على بعض هذه العمارات من الحريق، على اعتقاد أن ذلك في مصلحة الأوقاف الإسلامية، وأن الضرورة قد حملت عليه حتى إذا وقع حريق في بعض هذه العمارات الموقوفة على جهات البر كانت شركات التأمين ملزمة بأن تعوض للأوقاف عما التهمته النيران منها. وقد بلغ مجموع ما خرج من ريع هذه العمارات المرصودة لجهات البر الإسلامية ودخل في صناديق شركات التأمين ما يكفى لبناء عمارتين من ناطحات السحاب في خلال نحو ربع قرن، فما بالك بما كان يدفع قبل ذلك. ومنذ سنة 1347 ه- (928ام) لم ترزأ شركات التأمين من عشرات ألوف الجنيهات التى ابتزتها من أموال الأوقاف إلا بنحو خمسمائة جنيه فقط، وخسرت الأوقاف ما كان يكفى لأن تقيم به- كما قلنا- ناطحتى سحاب أو أكثر. إنها مقامرة، وكان الرزء فيها دائما على أوقاف المسلمين. ولعل الرزء الأدبى في الإقدام على المقامرة وتحمل وبالها وتقديم القدوة السيئة للناس، أفدح من الرزء المادى بعشرات كثيرة من ألوف الجنيهات صرفت في مصرف لم يكن يسمع به الواقفون، وما كانوا ليسمحوا به لو أنهم سمعوا به. ومنذ نحو عشرين سنة أو أكثر كتبت مقالا في صحيفة الفتح أشرت فيه إلى هذه المعانى، واقترحت على أهل كل حرفة- كالناشرين وأصحاب المكتبات مثلا - أن يكونوا من بينهم لجنة خاصة بحرفتهم يختارون أعضاءها من أهل الأمانة والديانة والأخلاق النبيلة، فيضعوا تحت يدها صندوقا يجمعون فيه ما كانوا يدفعونه عادة لشركات التأمين من رسوم سنوية وينوون به أن يكون إعانة منهم لمن ينكب بالحريق من رجال مهنتهم الداخلين في هذا الاتفاق، وأن يتخذوا جميع أسباب الرقابة القانونية والحيطة لحفظ هذا المال، حتى إذا وقع حريق- لا قدر الله- عوضوا على من نكب به من مال هذا الصندوق ويكون في ذلك مثوبة لكل من ساهم في هذا العمل الذى تحول من مقامرة تحرمها الأديان، إلى تعاون على البر ينال به صاحبه رضا الرحمن الرحيم. ص_163