فهرس الكتاب
ولئن كانت هذه الحكاية الجميلة تشير إلى رأى الدين في التعامل الفردى والأساس الذى ينبغى له، إنها تشير من قرب أو من بعد إلى أن الأمة التى يفشو فيها أكل أجور العامل، وغصب حقوقه الواضحة، ليست الأمة التى تعيش في ضمان السماء، أو التى توقى نكبات الحياة، أو التى إذا أصابها حرج توقع لها الفرج. بل على العكس لا تكاد تتردى في هاوية حتى تجد من يتقدم ليهيل عليها التراب لا لينجدها: (وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون) . وذلك سر نجاح الثورات الكبرى في هذه الحياة!. إنها تندلع في نظم قد دب فيها البلى، وطال منها الظلم، وابتعد عنها التوفيق، وأدبر عنها النجاح. فما تكاد نذر التمرد على الطغيان والاستبداد تظهر في الأفق حتى يفغر التاريخ فمه ليبتلع دولة شاخت ويسلكها في عداد الذكريات المرة. وليتأذن بميلاد دولة جديدة ونظام جديد تتعلق به آمال البشر كرة أخرى.
وهناك حالة نفسية يهتم لها الإسلام، ويحتفل بها، ويرقب أطوارها في عناية بالغة، حالة العامل المكدود في شغله، فإن الإسلام يرفض أن يراه ساخطا متبرما، ويقرر له أن يعطى حتى يرضى، وحتى يشعر بأنه مجدود في حظه على قدر ما هو مكدود في عمله. وليس أخطر في حقيقته وآثاره، من ترك العامل يشعر بأنه مغتصب الجهد منتقص الأجر. وأن تعب يمينه وعرق جبينه وتلوث إهابه وإضناء أعصابه يذهب سدى من غير مقابل معقول أو ثمن مقبول. ولذلك يوصى الرسول بحسم هذا الشعور المرير:"أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه". ص_191