بينهم وبين الدين الجديد، وهاجت في دمائهم حمية الجاهلية فسألوا الرسول صلى الله عليه وسلم مستنكرين: كيف يسوى بينهم وبين هؤلاء العبيد؟ ومشى إليه أبو جهل يكلمه: أجئت ترفع ابن لسمية الذليل إلى منازل السادة؟ قال: نعم:"ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين * ونمكن لهم في الأرض ...". ثم تكالبت العرب على المسلمين تبغى فتنتهم، وأعلنت على النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه حربا شعواء، وكانت الأيام بين الفريقين دولا. والقتل والأسر طبيعة محتومة في كل قتال، والعرف السائد يومئذ أن الأسرى لا حرمة لهم ولا حق، وأنهم بين أمرين أحلاهما مر، القتل أو الاسترقاق. فماذا فعل المسلمون بما لديهم من أسرى؟. إن التعاليم التى بين أيديهم توصى بهم خيرا، إنها تصف المؤمنين بأنهم:"ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا * إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا". والرسول صلى الله عليه وسلم عندما يحض على مكارم الأخلاق يقول:"عودوا المريض، وأطعموا الجائع، وفكوا العانى"أى أطلقوا سراح الأسير. إنه لا حرج على المسلمين من ترك هؤلاء بعدما سقطوا في أيديهم، غير أنه لا ينبغى لأصحاب الدعوة المضطهدة أن يجهلوا حقيقة وضعهم، فهم لم يحاربوا إلا ردا للعدوان، ومنعا للفتنة، وإقرارا لحرية الرأى. وهؤلاء الذين فقدوا اليوم حريتهم إنما جزاهم القدر بسوء صنيعهم، لقد سقطوا في أيدى المسلمين كما سقط أشراف فرنسا في يد ثوارها، وكما سقط قياصرة روسيا في يد شعبها، ومع أن أحدا من أولئك الكبراء لم ينج من المصير القاتم، ومع أن سادة العرب الذين سقطوا في أيدى المسلمين الأولين، كانوا يستحقون النهاية نفسها، إلا أننا نجد القرآن ينصح أولئك الأسرى في أول معركة بين المسلمين والمشركين: 128