ومهما كانت عظمة مرتكب المنكر، فإن المؤمن العظيم يستهين بملوك الدنيا أجمعين إذا نظر إلى جلال الله وواسع فضله على من يرمى بالحق في وجوههم:"أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان - أو أمير - جائر"فإذا سفك دمه في هذه السبيل فقد فاز بأعلى الدرجات:"سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله". *المسلم إذن مكلف بترك الشر، وتنظيف المجتمع من لوثاته، مطالب أمام الله بنبذ المعصية، ومحو آثارها من حوله، فرسالته تتجاوز الحدود الضيقة لشخصيته إلى نطاق أرحب، يشمل أمته كلها، بل يشمل العالم أجمع. هل معنى ذلك: أن الإسلام يأمر بالتدخل في تصرفات الآخرين أو التعرض للحريات الشخصية؟ كما يتصور بعض الناس حين ينهون ويأمرون. ونقول: نعم إن الحرية مكفولة لمحاربة الظلم، لا لإيقاعه والجور على المصلحة الكبرى للبشر، والإسلام يعتبر الفساد داء خبيثا، لا يقصر شره على صاحبه بل يتعداه إلى كيان الأمة كلها، وكما أن المصاب بمرض معد تصادر حرية انتقاله من مكان إلى مكان ويحجز في مستشفى خاص حتى لا تنتشر جراثيم علته بين الناس فكذلك الشخص الفاسد!! إن لم يضرب على يده ويستنكر ما بدا منه، شاع فساده ووجد في القلوب المريضة قبولا حسنا، وفى البيئات الضعيفة مرتعا خصبا والويل لشعب تتبجح فيه المعصية، وتسير مستعلنة من غير نكير، إنه يسير حثيثا إلى الهاوية! والحق أن المجتمع يدفع عن نفسه حين يحبس أولئك الحمقى، ويمنعهم عن غوايتهم، وقد ضرب الرسول صلى الله عليه وسلم مثلا رائعا لتبعة الفرد نحو الجماعة وحق الجماعة على الفرد فقال:"مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة، فصار بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها. فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم. 148"