إن هذا الملك الذى جنح إليه معاوية فسر أعماله السابقة تفسيرا سيئا، وكان يمكن تشبيه خلافه مع على بخلاف طلحة والزبير وغيرهما مع على، بيد أن الدلالة الصارخة لتمليك يزيد تجعل البون شاسعا بين معاوية والصحابة الأجلاء. إن الخلفاء السابقين- عدا عثمان رضى الله عنه - كان لهم بنون، فأما أبو بكر فلم يخطر بباله أن يرشح ابنه لخلافة، وأما عمر فقد نص على حرمان ابنه، وأما على فقد طلب الناس إليه أن يستخلف الحسن فأبى، وقال: لا آمركم ولا أنهاكم .. أنتم أعلم. تلك هى سنة الخلفاء الراشدين المهديين التى أمر النبى أن نعض عليها بالنواجذ، وحذرنا مما عداها قائلا:"إياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة". ذلك مع أن يزيد شاب لا يقرن في قياس أبدا مع واحد من أبناء الخلفاء السابقين. *قلت في كتابى"الإسلام والمناهج الاشتراكية":"... على أن الإسلام الذى أقر مبدأ التوارث المالى رفض بشدة مبدأ توارث الزعامات الروحية أو المدنية أو غيرها، فعندما اختار الله إبراهيم- عليه السلام- نبيا، طلب منه هذا النبى الكريم أن تتنقل نعمة الاختيار في بنيه، فأبى الله عليه ذلك"."وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين"وتعاليم الإسلام تقطع دابر هذا التوريث، ولا ترشح للزعامة إلا الذين يدركونها عن جدارة وكفاية. غير أن المسلمين لهم في ذلك تقاليد جنونية في منتهى السخف، بل أحسبها نزعة من نزعات الوثنية المخرفة تسرى إلى الأمم! في إبان الضعف والسقم، وليس لأمتنا أى عذر في هذا الخبط. 179