إن المتصوفة في بلادنا يتوارثون مشيخة الطريق ويكتبون أوراقا طولها عدة أذرع مملوءة بالأنساب التى تصلهم إلى فلان أو فلان. وفى مصر جمعية شرعية أسسها جد، وورثها ابن، وينتظر رئاستها حفيد. وقد كان شيخ الإسلام في تركيا يورث شيخ الإسلام المرتقب، والقائد المظفر يلد القائد المظفر. والشرق الإسلامى ملىء بالأسر التى لا تنتمى إلى آدم أبى البشر المعروف فهو مخلوق من تراب، أما هم فسلالات من عنصر آخر لا يدرى كنهه، ... لعله النار!! وتاريخ هذه الأسر يعرفه من يطلبه عند تمحيص الأسباب الحقيقية لتدهور الإسلام والمسلمين، منذ بدأ طور الانحلال إلى اليوم ...". إن النبى صلى الله عليه وسلم كان عربيا من قريش، وكانت مكانة قريش في العرب تشبه مكانة"إنجلترا"فى دول"الدومنيون"أو مكانة"روسيا"فى الدول الشيوعية، وهذه المكانة للدول الكبيرة لا تعطى أفرادها امتيازا خاصا، ولكن إذا كان في هذه الجماعة الكبيرة من ترشحهم عبقريتهم أولا للتقدم، ويؤهلهم نبوغهم للرياسة، فإن مكانة الشعب الذى ينتسبون إليه تعينهم على أخذ الولاية العامة، وذلك سر ما ورد عن النبى صلى الله عليه وسلم: أن"الأئمة من قريش"فقد كانت قريش يومئذ أهل السبق إلى الدين والبلاء في نصرته والتضحية الرائعة في حمايته. وإن المنصف حين يقرأ سير المهاجرين الأولين، ويلمس الدرجة التى كانوا عليها من اليقين ويشهد أثر الصحبة، من بدء الوحى، والشركة في حمل أعباء الرسالة الضخمة مع الرسول صلى الله عليه وسلم نفسه ليوقن بأن هؤلاء الرجال- قبل أى مخلوق- أحق بإمامة المسلمين، فإذا انضم إلى هذه الكفاية الشخصية عامل آخر من منزلة القبيلة في المجتمع كان معنى ذلك أن القوة المعنوية قد وجدت سلاحها المادى، وأن الإيمان قد دعم بالسلطان، وتلك هى أسس الحكم الناجح. فالمقياس الأول هو الجدارة الخاصة للفرد، والعامل المساعد هو المكانة العامة للأمة. 180"