وطال على غموضها الزمن، وشب الرجال عن الطوق وهم يحسبون هذه الفضائل ذكريات قديمة، ثم خاضوا في شئون الدنيا وهم بعيدون عنها، فلما صدمتهم عوائق الضلال الذى صنعوه بحثوا عن الخلاص من مأزقهم .. بحثوا عنه في مظانه القصية، وافترضوا الفروض، وابتدعوا الآراء، ولم يزدادوا بذلك كله إلا بعدا عن الحق، وشرودا عن النهج .. ذلك أن سر الإنقاذ أقرب إليهم مما يتوهمون، إنه في طائفة من الفضائل التى جحدوها .. وفى هذا الدواء الساذج الذى يقدمه الدين علاج أى علاج لما استعصى من مشاكل، ولما استوطن من أوبئة جرت على العالم كله الخراب والدمار .. *والاستبداد السياسى الذى وقعت الشعوب المسلمة فريسة له من أمد طويل، وظلت إلى اليوم ترسف في قيوده، ليس مرده إلى أن الإسلام نقصته عناصر معينة، فأصيب معتنقوه بضعف في كيانهم كما يصاب المحرومون من بعض الأطعمة بلين في عظامهم أو فقر في دمائهم. كلا .. ففى تعاليم الإسلام وفاء بحاجات الأمة كلها وضمان مطمئن لما تشتهى وفوق ما تشتهى من حريات وحقوق، إنما بطشت مخالب الاستبداد ببلادنا وصبغت وجوهنا بالسواد، لأن الإسلام خولف عن تعمد وإصرار، طرحت أرضا البدهيات الأولى من تعاليمه، وقام في بلاد الإسلام حكام تسرى في دمائهم جراثيم الإلحاد والفسوق والمنكرات فخرجوا سافرين عن أخلاقه وحدوده. ومع ذلك فقد فرضوا أنفسهم على الإسلام إلى يوم الناس هذا .. ولو أن الإسلام ظفر يوما بحريته، وأمكنته الأقدار أن ينتصف لنفسه، لكان جمهور هؤلاء الحكام بين مشنوق ومسجون. والمخالفات التى وقعت للإسلام في بلاده من شتى الحكومات لا تفتقر إلى ذكاء حاد في إحصائها و إثباتها- فهى كما قلنا تتعلق بالبدهيات الأولى- ولكن المشكلة ليست في معرفة الحق .. بل في قول الحق مهما كانت النتائج. 033