يبدو أنها انعكاس لحالة اجتماعية متردية في زمان الهمذاني
كانت تسود بلاد ايران، لأن الذين ترجموا له حصروا تنقلاته في ايران فقط، ويبدو أن الفقر كان منيخا على طبقة واسعة من الشعب، وأن التسول أو التكدي كان منتشرا، وأن عدد المكدين كان كبيرا، وأن حيلهم في كسب المال كانت متنوعة ومعقدة أحيانا. نلفي ذلك واضحا في المقامة الساسانية حيث يقول: «أحلتني دمشق بعض أسفاري، فبينا أنا يوما على باب داري إذ طلع علي من بني ساسان كتيبة قد لفوا رؤوسهم، وطلوا بالمغرة لبوسهم، وتأبط كل واحد منهم حجرا يدق به صدره، وفيهم زعيم لهم يقول وهم يراسلونه، ويدعو ويجاوبونه، فلما رآني قال:
أريد منك رغيفا ... يعلو خوانا نظيفا
أريد منك قميصا ... وجبة ونصيفا الخ
كما نلفي ذلك في المقامة الرصافية حيث يعدد حيل المكدين واللصوص الغريبة العجيبة. فذكر منهم أصحاب الفصوص، وأهل الكف والقف، ومن يعمل بالطف، ومن يحتال في الصف، ومن يخنق بالدف، ومن يكمن في الرف، ومن يبدل بالمسح، ومن يأخذ بالمزح، ومن يسرق بالنصح، ومن يدعو إلى الصلح، ومن باهت بالنرد، ومن غالط بالقرد، ومن جاءك بالقفل، ومن شق الأرض من سفل، ومن نوم بالبنج، واحتال بنيرنج، ومن بدل نعليه، ومن كابر بالسيف، ومن سار مع العير، ومن لاذ من الخوف، ومن يسرق بالبول، ومن ينتهز الهول الخ
وهي لا تعكس فكر بديع الزمان ذاته لأن عيسى بن هشام راوية المقامات والناطق على الأرجح باسم البديع كان تارة يلوم أبا الفتح على تصرفاته ويستغرب سلوكه ويطلب منه تفسيرا لآرائه، وطورا كان يبدي الشفقة عليه، ويعجب بحسن بيانه وبلاغته ومعارفه الأدبية
واللغوية والفكرية الواسعة. فهو يقول له مثلا في آخر المقامة القردية عندما اكتشفه يرقّص قردا ليحصل على مال المشاهدين: فلما فرغ القراد من شغله، وانتفض المجلس عن أهله، قمت وقد كساني الدهش حلته، ووقفت لأرى صورته، فإذا هو والله أبو الفتح الإسكندري، فقلت: ما هذه الدناءة ويحك، فأنشأ يقول: