وهي لا تعكس فكر بديع الزمان ذاته لأن عيسى بن هشام راوية المقامات والناطق على الأرجح باسم البديع كان تارة يلوم أبا الفتح على تصرفاته ويستغرب سلوكه ويطلب منه تفسيرا لآرائه، وطورا كان يبدي الشفقة عليه، ويعجب بحسن بيانه وبلاغته ومعارفه الأدبية
واللغوية والفكرية الواسعة. فهو يقول له مثلا في آخر المقامة القردية عندما اكتشفه يرقّص قردا ليحصل على مال المشاهدين: فلما فرغ القراد من شغله، وانتفض المجلس عن أهله، قمت وقد كساني الدهش حلته، ووقفت لأرى صورته، فإذا هو والله أبو الفتح الإسكندري، فقلت: ما هذه الدناءة ويحك، فأنشأ يقول:
الذنب للأيام لا لي ... فاعتب على صرف الليالي
بالحمق أدركت المنى ... ورفلت في حلل الجمال
[3] عدا هذه الناحية الاجتماعية نجد في المقامات ناحية أدبية. ففي المقامة القريضية يصدر أحكاما نقدية على عدد من شعراء الجاهلية والعصر الأموي منهم امرؤ القيس والنابغة الذبياني وزهير بن أبي سلمى، وطرفة بن العبد، وجرير بن عطية والفرزدق. وهذه الأحكام التي تتسم بكثير من الدقة والإيجاز لم يبتكرها وقد سبقه إليها النقاد أمثال ابن قتيبة، وابن سلام الجمحي، وغيرهما.
وفي المقامة الغيلانية يتحدث عن الشاعر الأموي غيلان بن عقبة الملقب بذي الرمة. ويروي شيئا من شعره ويذكر حادثة جرت له مع الفرزدق الذي كان يحتقر ذا الرمة ويرى أن شعره غير مثقف ولا سائر.
وفي المقامة الجاحظية ينتقد الجاحظ لأنه لم يجمع بين شقي البلاغة واقتصر على النثر دون الشعر.
وفي المقامة العراقية يطرح أحاجي عن أبيات من الشعر، فيسأل عن بيت قالته العرب لا يمكن حله، وبيت نظمته مدحا لم يعرف أهله، وبيت سمج وضعه وحسن قطعه، وبيت لا يرقأ دمعه، وبيت يثقل وقعه، وبيت يشج عروضه ويأسو ضربه الخ
[4] ونعثر في المقامات على واحدة في علم الكلام هي المقامة
المارستانية، حيث نجد مجنونا ينتقد آراء المعتزلة القائلين بحرية الإنسان ويذهب مذهب الجبرية القائلة إن الإنسان ليس حرا وإنما أفعاله من صنع الله. ويقول: «إن الخيرة لله لا لعبده، والأمور بيد الله لا بيده، وأنتم يا مجوس هذه الأمة تعيشون جبرا، وتموتون صبرا، وتساقون إلى المقدور قهرا، ولو كنتم في بيوتكم لبرز الذي كتب عليهم القتل إلى مضاجعكم، أفلا تنصفون إن كان الأمر كما تصفون؟» .