وهو يحاول أن يعلل سلوكه الشائن هذا بضرورة التكيف مع الأحوال والظروف والبيئة الاجتماعية. لقد قلب له الدهر ظهر المجن ولم يعدل في قسمة الخيرات بين الناس، فجاد بها على الحمقى والأغبياء وحرم العلماء والأذكياء من أمثاله. وخير وسيلة لمقارعة الأيام والحصول على حقوقه الخداع والتقلب والتظاهر بالحمق. وقد عبر عن ذلك بقوله:
أنا أبو قلمون ... في كل لون أكون
اختر من الكسب دونا ... فإن دهرك دون
زج الزمان بحمق ... إن الزمان زبون
لا تكذبن بعقل ... ما العقل إلا الجنون
أو يقول في مقامة أخرى:
هذا الزمان مشوم ... كما تراه غشوم
الحمق فيه مليح ... والعقل عيب ولوم
والمال طيف ولكن ... حول اللئام يحوم
إن أبا الفتح ينصح باختيار طرق الكسب الدنيئة، لأن الدهر دنيء، وينصح بالتخلي عن العقل والتزام الحمق لأن الناس حمقى ولئام. وهي لعمري فلسفة الدناءة والغباوة، فلسفة الاستجداء والاستعطاء والاستعطاف والاستسلام، فلسفة الهوان والذل والحقارة، فلسفة الموت الخلقي.
والسؤال الذي يمكن طرحه هو التالي: هل تعكس هذه الفلسفة واقعا اجتماعيا مترديا في القرن الرابع الهجري في بلاد فارس؟ أو هل تعكس فكر بديع الزمان الهمذاني ذاته؟
يبدو أنها انعكاس لحالة اجتماعية متردية في زمان الهمذاني
كانت تسود بلاد ايران، لأن الذين ترجموا له حصروا تنقلاته في ايران فقط، ويبدو أن الفقر كان منيخا على طبقة واسعة من الشعب، وأن التسول أو التكدي كان منتشرا، وأن عدد المكدين كان كبيرا، وأن حيلهم في كسب المال كانت متنوعة ومعقدة أحيانا. نلفي ذلك واضحا في المقامة الساسانية حيث يقول: «أحلتني دمشق بعض أسفاري، فبينا أنا يوما على باب داري إذ طلع علي من بني ساسان كتيبة قد لفوا رؤوسهم، وطلوا بالمغرة لبوسهم، وتأبط كل واحد منهم حجرا يدق به صدره، وفيهم زعيم لهم يقول وهم يراسلونه، ويدعو ويجاوبونه، فلما رآني قال: