كم غرّت الدّنيا من مخلد إليها [1] وصرعت من مكبّ عليها فلم تنعشه من عثرته؟ ولم تقله من صرعته، ولم تداوه من سقمه، ولم تشفه من ألمه.
بلى أوردته بعد عزّ ورفعة ... موارد سوء ما لهنّ مصادر
فلمّا رأى أن لا نجاة وأنّه ... هو الموت لا ينجيه منه المؤازر
تندّم لو أغناه طول ندامة ... عليه وأبكته الذّنوب الكبائر
بكى على ما سلف من خطاياه، وتحسّر على ما خلّف من دنياه، حيث لم ينفعه الاستعبار، ولم ينجه الاعتذار.
أحاطت به أحزانه وهمومه ... وأبلس لما أعجزته المعاذر [2]
فليس له من كربة الموت فارج ... وليس له ممّا يحاذر ناصر
وقد خسئت فوق المنيّة نفسه ... تردّدها منه اللهى والحناجر
فإلى متى ترقّع بآخرتك دنياك، وتركب في ذاك هواك؟ إنّي أراك ضعيف اليقين، يا راقع الدّنيا بالدّين، أبهذا أمرك الرّحمن، أم على هذا دلّك القرآن؟.
تخرّب ما يبقى، وتعمر فانيا ... فلا ذاك موفور، ولا ذاك عامر
فهل لك إن وافاك حتفك بغتة ... ولم تكتسب خيرا لدى الله عاذر؟؟
أترضى بأن تقضى الحياة وتنقضي ... ودينك منقوص ومالك وافر؟؟
قال عيسى بن هشام: فقلت لبعض الحاضرين: من هذا؟
(1) أخلد إلى الشيء: سكن إليه واطمأن.
(2) أبلس: حزن.