وائل [1] ، وأدهى من قصير [2] ، وأشعر من جرير، وأعذب من ماء الفرات، وأطيب من العافية، لبذلي ومروءتي، وإتلاف ذخيرتي، فلمّا خفّ المتاع، وانحطّ الشّراع، وفرغ الهراب، تبادر القوم الباب، لمّا أحسّوا بالقصّة، وصارت في قلوبهم غصّة، ودعوني برصة [3] ، وانبعثوا للفرار، كرمية الشّرار، وأخذتهم الضّجرة، فانسلّوا قطرة قطرة، وتفرّقوا يمنة ويسرة، وبقيت على الآجرّة، قد أورثوني الحسرة، واشتملت منهم عليّ العبرة، لا أساوي بعرة، وحيدا فريدا كالبوم، الموسوم بالشّوم، أقع وأقوم، كأنّ الّذي كنت فيه لم يكن، وندمت حين لم تنفعني النّدامة، فبدّلت بالجمال وحشة، وصارت بي طرشة، أقبح من رهطة المنادي [4] ، كأنّي راهب عباديّ، وقد ذهب المال وبقي الطّنز [5] ، وحصل بيدي ذنب العنز، وحصلت في بيتي وحدي متفتّتة كبدي، لتعس جدّي، قد قرّحت دموعي خدّي، أعمر منزلا درست
(1) سحبان وائل: هو سحبان بن زفر بن أياد الوائلي الربيعي. نشأ في الجاهلية ولما جاء الإسلام أسلم وتقلبت به الأحوال حتى اتصل بمعاوية وأيده. كان خطيبا مصقعا ذرب اللسان حاضر البديهة يخطب الساعات دون نحنحة أو سعال أو توقف أو تلكؤ ولا ترديد معنى.
(2) أدهى من قصير: من أصحاب الرأي في الجاهلية. كان مقربا من جذيمة الأبرش، الذي استدعته الزباء ملكة تدمر عارضة عليه الزواج والملك.
فاستشار خاصته فأشاروا عليه بأن يسير إليها عدا قصيرا الذي قال مخالفا لهم: هذا رأي فاتر وعذر حاضر. وأشار عليه باستدعائها بدل الذهاب إليها.
فلم يسمع رأيه وذهب إليها فقتل.
(3) البرصة: دويبة صغيرة حقيرة.
(4) رهطة: رجل ضرب به المثل في الصمم.
(5) الطنز: المهانة والسخرية.