طلوله [1] ، وعفت معالمه سيوله، فأضحى وأمسى بربعه الوحوش، تجول وتنوش، وقد ذهب جاهي، ونفدت صحاحي [2] ، وقلّ مراحي، وسلحت في راحي [3] ، ورفضني النّدماء، والإخوان القدماء، لا يرفع لي رأس، ولا أعدّ من النّاس، أوتح من بزيع الهرّاس، ورزين المرّاس [4] ، أتردّد على الشّطّ، كأنّي راعي البطّ، أمشي وأنا حافي، وأتبع الفيافي، عيني سخينة، ونفسي رهينة [5] ، كأنّي مجنون قد أفلت من دير، أو عير يدور في الحير [6] ، أشدّ حزنا من الخنساء على صخر [7] ، ومن هند على عمرو [8] . وقد تاه عقلي، وتلاشت صحّتي، وفرغت صرّتى، وفرّ غلامي، وكثرت أحلامي، وجزت في الوسواس المقدار، فصرت بمنزلة العمّار، وشيطان الدّار، أظهر باللّيل وأخفى بالنّهار، أشأم من حفّار، وأثقل من كراء الدّار، وأرعن من طيطيء
(1) قرحت دموعي خدي: جرحته. درست طلوله: امحت آثاره.
(2) صحاحي: ما هو صحيح وثابت عندي.
(3) مراحي: مبادرتي للمعروف. سلحت في راحي: أفسدت على نفسي.
(4) أوتح: أضعف، أحط قيمة من الهراس أي صانع الهريسة. المراس: صانع المرس. بزيع ورزين: اسما رجلين كانا يصنعان الهريسة والمرس.
(5) عيني سخينة: ضد عيني قريرة. يقال أسخن الله عينه، وسخنت عينه، كما يقال أقر الله عينه، وقرت عينه. نفسي رهينة: محبوسة، وضيقة.
(6) العير: الحمار. الحير: الحظيرة.
(7) الخنساء: هي تماضر بنت عمرو بن الشريد السلمية شاعرة جاهلية أدركت الإسلام وأسلمت وحسن إسلامها. قتل أخواها صخر ومعاوية فبكتهما بكاء شديدا وظلت ترثيهما بشعرها حتى موتها. فكانت أحزن من بكى وندب.
(8) من هند على عمرو: هو عمرو بن المنذر بن ماء السماء ملك الحيرة الذي قتله سيد تغلب وشاعرها وفارسها عمرو بن كلثوم. وهند هي أمه ولذا عرف بعمرو بن هند وقد وجدت عليه كثيرا.