بصفاتها، ولم يقل الشّعر كاسبا، ولم يجد القول راغبا [1] ، ففضل من تفتّق للحيلة لسانه، وانتجع للرّغبة بنانه [2] ، قلنا: فما تقول في النّابغة؟ [3] ، قال: يثلب إذا حنق، ويمدح إذا رغب، ويعتذر إذا رهب، فلا يرمي إلّا صائبا، قلنا: فما تقول في زهير؟ [4] قال: يذيب الشّعر والشعر يذيبه، ويدعو القول والسّحر يجيبه [5] . قلنا: فما تقول في طرفة [6] ؟ قال: هو ماء الأشعار وطينتها، وكنز القوافي ومدينتها، مات ولم تظهر أسرار دفائنه، ولم تفتح أغلاق خزائنه، قلنا: فما تقول في جرير [7]
(1) أي لم يتكسب في شعره.
(2) أي لم يتحرك طلبا للعطاء.
(3) هو النابغة الذبياني: شاعر جاهلي فحل نصب حكما في سوق عكاظ، من أصحاب المعلقات العشر، يدور شعره حول السياسة والمديح والهحاء والرثاء والفخر والغزل والاعتذار. وقد أشار الهمذاني إلى بواعث شعره الهامة وهي الغضب الذي يدفعه إلى الهجاء، والرغبة التي تحمله على المديح، والخوف الذي يجري به إلى الاعتذار.
(4) هو زهير بن أبي سلمى المزني، شاعر جاهلي فحل، ومن أصحاب المعلقات العشر، امتاز شعره بالمتانة والرصانة والحكمة والتنخل، فلقب بحكيم الجاهلية لدعوته إلى السلام والتعقل.
(5) يعني أن شعر زهير يتسم بالعذوبة والسلاسة وقوة التأثير أو السحر.
(6) هو طرفة بن العبد البكري، من شعراء الجاهلية الفحول وأصحاب المعلقات العشر، توفي في السادسة والعشرين من عمره ونظم الشعر مبكرا، ودعا إلى مذهب اللذة في الحياة.
(7) جرير: هو جرير بن عطية بن الخطفي التميمي أحد شعراء المثلث الأموي الذي يضمه مع الأخطل التغلبي والفرزدق التميمي. استعرت بينهم حرب هجائية شغلت عصرهم ودعت للمفاضلة بينهم. والهمذاني يدلو بدلوه فيرى أن جريرا أرق شعرا وأغزر معنى وأوجع هجاء وأشجى نسيبا وأسنى مديحا.
أما الفرزدق فكان أمتن مبنى وأكثر فخرا وأوفى وصفا.