فهرس الكتاب

الصفحة 36 من 210

وشارب قد طرّ، وساعد ملآن، وقضيب ريّان، ونجار تركيّ، وزيّ ملكيّ، فقلنا: مالك لا أبا لك؟ فقال: أنا عبد بعض الملوك، همّ من قتلي بهمّ، فهمت على وجهي إلى حيث تراني، وشهدت شواهد حاله، على صدق مقاله، ثمّ قال: أنا اليوم عبدك، ومالي مالك، فقلت: بشرى لك وبك، ادّاك سيرك إلى فناء رحب، وعيش رطب، وهنّأتني الجماعة، وجعل ينظر فتقتلنا ألحاظه، وينطق فتفتننا ألفاظه، فقال: يا سادة إنّ في سفح الجبل عينا، وقد ركبتم فلاة عوراء [1] ، فخذوا من هنالك الماء، فلوينا الأعنّة إلى حيث أشار، وبلغناه وقد صهرت الهاجرة الأبدان، وركب الجنادب العيدان، فقال: ألا تقيلون في الظّلّ الرّحب، على هذا الماء العذب؟ فقلنا: أنت وذاك [2] فنزل عن فرسه، وحلّ منطقته، ونحّى قرطقته [3] ، فما استتر عنّا إلّا بغلالة تنمّ عن بدنه، فما شككنا أنّه خاصم الولدان، ففارق الجنان، وهرب من رضوان [4] ، وعمد إلى السّروج فخطّها، وإلى الأفراس فحشّها [5] ، وإلى الأمكنة فرشّها، وقد حارت البصائر فيه، ووقفت الأبصار عليه، فقلت: يا فتى ما ألطفك في الخدمة، وأحسنك في الجملة، فالويل لمن فارقته، وطوبى لمن رافقته، فكيف شكر الله على النّعمة بك؟ فقال: ما سترونه منّي أكثر، أتعجبكم خفّتي في الخدمة، وحسني في الجملة؟ فكيف لو رأيتموني في الوقعة؟ أريكم من حذقي

(1) ركبتم فلاة عوراء: سرتم في أرض لا عين فيها.

(2) أنت وذاك: لك ذلك.

(3) حل منطقته: حل حزامه. نحّى قرطقته: خلع لباسه.

(4) يريد أنه أحد ولدان الجنة التي يحرسها رضوان.

(5) حش الأفراس: قدم لها الحشيش.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت