المكان، فقال الرّجل: أين أنتم من الحديث الّذي كنتم فيه؟ فأخذنا في وصف الجاحظ ولسنه، وحسن سننه في الفصاحة وسننه [1] ، فيما عرفناه، فقال: يا قوم لكلّ عمل رجال، ولكلّ مقام مقال، ولكلّ دار سكّان، ولكلّ زمان جاحظ، ولو انتقدتم، لبطل ما اعتقدتم، فكلّ كشّر له عن ناب الإنكار [2] ، وأشمّ بأنف الإكبار، وضحكت له لأجلب ما عنده، وقلت: أفدنا وزدنا، فقال: إنّ الجاحظ في أحد شقّي البلاغة يقطف، وفي الآخر يقف [3] ، والبليغ من لم يقصّر نظمه عن نثره، ولم يزر كلامه بشعره، فهل تروون للجاحظ شعرا رائعا؟ قلنا:
لا، قال: فهلمّوا إلى كلامه، فهو بعيد الإشارات، قليل الاستعارات، قريب العبارات، منقاد لعريان الكلام [4] يستعمله، نفور من معتاصه يهمله، فهل سمعتم له لفظة مصنوعة، أو كلمة غير مسموعة؟ فقلنا:
لا، فقال: هل تحبّ أن تسمع من الكلام ما يخفّف عن منكبيك، وينمّ على ما في يديك؟ فقلت: إي والله، قال: فأطلق لي عن خنصرك، بما يعين على شكرك، فنلته ردائي، فقال:
لعمر الّذي ألقى عليّ ثيابه
لقد حشيت تلك الثّياب به مجدا
أوعز إلى عامله في البصرة بقتله. نقل إلى العربية كتاب كليلة ودمنة، ووضع كتاب الأدب الكبير والأدب الصغير، ورسالة الصحابة.
(1) السنن: الطريقة. السنن: جمع سنة ما أثر من أقوال وأفعال.
(2) كشر عن نابه: أظهر نابه غضبا.
(3) يعني أن الجاحظ لم يجمع نوعي البلاغة أي الشعر والنثر. إنه ناثر وليس شاعر.
(4) عريان الكلام: الكلام الذي يخلو من التوشية والمحسنات.