فهرس الكتاب

الصفحة 95 من 210

أسنانك، وأقبل وأدبر، ففعل الغلام ذلك، وقال التّاجر: بالله من اشتراه؟ اشتراه والله أبو العبّاس، من النّخّاس [1] ، ضع الطّست، وهات الإبريق، فوضعه الغلام، وأخذه التّاجر وقلّبه وأدار فيه النّظر ثمّ نقره، فقال: انظر إلى هذا الشّبه كأنّه جذوة اللهب، أو قطعة من الذّهب، شبه الشّام، وصنعة العراق، ليس من خلقان الأعلاق [2] ، قد عرف دور الملوك ودارها، تأمّل حسنه وسلني متى اشتريته؟ اشتريته والله عام المجاعة، وادّخرته لهذه السّاعة، يا غلام الإبريق، فقدّمه، وأخذه التّاجر فقلّبه، ثمّ قال: وأنبوبه منه، لا يصلح هذا الإبريق إلّا لهذا الطّست، ولا يصلح هذا الطّست إلّا مع هذا الدّست، ولا يحسن هذا الدّست إلّا في هذا البيت، ولا يجمل هذا البيت إلّا مع هذا الضّيف، أرسل الماء يا غلام، فقد حان وفت الطّعام، بالله ترى هذا الماء ما أصفاه، أزرق كعين السّنّور، وصاف كقضيب البلّور، استقي من الفرات، واستعمل بعد البيات، فجاء كلسان الشّمعة، في صفاء الدّمعة، وليس الشّان في السّقّاء، الشّان في الإناء، لا يدلّك على نظافة أسبابه، أصدق من نظافة شرابه، وهذا المنديل سلني عن قصّته، فهو نسج جرجان، وعمل أرّجان، وقع إليّ فاشتريته، فاتّخذت امرأتي بعضه سراويلا، واتّخذت بعضه منديلا، دخل في سراويلها عشرون ذراعا، وانتزعت من يدها هذا القدر انتزاعا، وأسلمته إلى المطرّز حتّى صنعه كما تراه وطرّزه، ثمّ رددته من السّوق، وخزنته في الصّندوق، وأدّخرته للظّراف، من الأضياف، لم تذلّه عرب العامّة

(1) النخاس: تاجر العبيد.

(2) من خلقان الأعلاق: من النفائس البالية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت